حرصت مساء الخميس الماضي على حضور محاضرة للشيخ بندر الشويقي أحد طلائع الشرعيين الشباب، ممن ألمّوا بالقراءات الفكرية المعاصرة بجانب تخصصهم الشرعي. وللشويقي صولات وجولات مع الرموز الفكرية السعودية حيال موضوعات شتى، وهو مقلّ جداً في إقامة المحاضرات الفكرية التي هو في الصميم منها وقد استعاض عنها بدروس علمية في المساجد؛ لذلك كانت تلك الأمسية -بعنوان (التنوير على منهاج النبوة)- من أمسياته النادرة حسب علمي، ولربما كان هذا من أولى المآخذ عليه، وعلى بعض الشرعيين الشباب، ممن ثنّوا ركبهم عند علمائنا الكبار، وتحصّلوا على علم شرعي متين، أضافوا له تلك القراءات العصرية التي سلفت.
مما استلفتني في المحاضرة؛ دعوة الشويقي للعلماء والدعاة بضرورة تجديد الخطاب الديني الموجّه للمجتمع، وهو مما سررت له كثيراً؛ كونه يمثـّل المدرسة السلفية التي عليها علماء هذا البلد، والدعوة منه بالتأكيد ستكون مقبولة أكثر من إعلامي مثلي يصيح طيلة عقد من السنوات بهذا، فالمحاضر يرى أن زمننا زمن الفضائيات والإعلام، وأن اللغة السائدة في المجتمع هي لغتها لا اللغة العلمية، ومن الضروري أن يتنزل الشرعيون والدعاة لمخاطبة الناس بهذه اللغة، جازماً بتأثر المجتمع بمقالة صحفية واحدة أكثر بكثير من بحث علمي متين.
وإذ تعرض الشويقي لموضوع التنوير وأبان أن مصادره القرآن والسنة والإجماع، وأن الإشكال مع مدّعي التنوير ممن شاغبوا على الرؤية الشرعية؛ كان من خلال الإجماع الذي حاولوا ضربه بعدة شُبه، واستشهد بأمثلة (حدّ الردة) و (بناء الكنائس في جزيرة العرب) و (العلاقة مع الآخر) وغيرها من الأمثلة التي رأى أنها لم تك تمثل أية إشكالات في الأزمنة الماضية، إلا أنها تحت ضغط الفلسفة الليبرالية التي تأثر بها بعض هؤلاء ممن انتسبوا للتنوير، باتت إشكالية تحتاج لمراجعة، واستمرأ القوم القضية وباتوا يطرحون شعارات خلابة من مثل: (حريتك تنتهي عند حرية الآخرين) والصحيح أنها تنتهي عند حدود الله وشريعته، وجزم أن أظهر خصائص التنوير على منهاج النبوة هو ما كان ميزانه الوحي.
سأتوقف مع أخي الشويقي في موضوع التنوير، وهو يعلم علم اليقين وقد خاض جولات وسجالات مع التنويريين المحليين، بأن معظم الأخيرين هم ممن كانوا في محاضن الشرعيين وانفلتوا عنها إلى رؤى جديدة، ورأوا أن الفقه السائد تكلّس، ويحتاج إلى حراك، وطرحوا شعارات براقة مدنية دندنوا عليها زمناً ولا يزالون، ورأوا أن العلماء والدعاة مقصّرون في طرحها، من مثل: الحرب على الفساد، والمحافظة على المال العام، وحقوق المرأة والإنسان، وغيرها من الموضوعات التي أبهرت الشباب من الأجيال الجديدة، وطالب بها أصلاً والدنا خادم الحرمين الشريفين قبل الجميع، وها نحن نشهد تفلتاً من الساحة الشرعية من تلكم الأجيال -خصوصاً ممن يتعاطى الإنترنت منهم- إلى خندق هؤلاء. ولا يكفي يا شيخ بندر، الاكتفاء بالتندر بأنها موضات فكرية -بما أشرت- وأن الساحة الشرعية تعرضت لتصنيف العلماء بحسب موقفهم من تلك القضايا، ففي أواسط الثمانينات كانوا يصنفون بحسب موقفهم من الجهاد الأفغاني ومن بعده في التسعينيات من الجهاد البوسنوي أو المطالبات الإصلاحية، إلى موضة القراءات الفكرية في هذا العقد، وأخيراً موضة الإصلاح التي نعيشها، وما قلته حقّ بالتأكيد، بأن تلك الموضات انحسرت وبقي العلماء ومنهجهم السلفي الراسخ؛ إلا أنني لا أجد مبرراً لتقاعس كثير من دعاتنا وعلمائنا في طرح موضوعات الناس الحياتية والمالية، ومساندة ولاة الأمور الذين يطلبون النصح في هذا، ولربما بيان وزارة الداخلية مؤخراً في مناشدة المواطنين في الإبلاغ عن الفساد، وتخصيص رقم لذلك أظهر دليلا على ما ذكرته. ولست وحدي من نقد هذا الموقف، فهذا ابن التيار الشرعي الباحث الفذ وليد الهويريني، قال نصاً: "من الضروري حقن الخطاب الدعوي بمفاهيم العدل والمحاسبة والمسؤولية الشرعية والمجتمعية لمكافحة الفساد، وإبراز النصوص الشرعية والشواهد النبوية، وسير السلف الصالح في الاحتساب الإداري والمجتمعي".
الأطرف في المحاضرة أن الشويقي حفظه الله أشار إلى المذبذبين، وقصد بهم ذوي النيات الطيبة والتدين، بأنهم ربما كانوا الأخطر، فقد تشرّبوا الفكر الليبرالي المعادي للدين، وباتوا يطرحون رؤاهم بعدما يلبسونها لباساً شرعياً، وتقدّم للناس بلبوس شرعي.
وأختم بأن قلة هم ممن يمتلكون ناصية القلم، والمكنة الكتابية مع الحضور المنبري الآسر، فالغالب أن من يجيد الكتابة الاحترافية، لا يتوازى له حضور منبري بذات المستوى، ويبقى أن أدعو الشويقي-وهو ممن أشرت لهم آنفاً- وقد استمتعت بأمسية فكرية باذخة، أن يواصل هذا الحضور، هو وثلة من شبابنا الشرعي ممن ألمّوا بالقراءات الفكرية المعاصرة، فالشباب بحاجة إلى تثبيتهم بحسب منهج علماء السلف في هذه البلاد، وهم إن تواروا بحجة عدم النضج، فسيتركون الساحة للآخرين الذين أبهروا الأجيال الجديدة بطرحهم المدني الصرف.