لا يخلو مجتمع إنساني عبر التاريخ من بعض أفراده المرضى بالتطرف والتعصب إن كان فكريا أو دينيا أو مذهبيا أو عرقيا، وكلما احتكم الإنسان إلى عاطفته أكثر من عقله كانت ميوله الفكرية وسلوكياته ولغته أقرب للتطرف أيا كان نوعه، ولأننا كمجتمع سعودي مثله مثل بقية المجتمعات التي يمتلئ بها هذا الكون الفسيح، منّا من هو مصاب بالتطرف على تباين توجهاتنا الفكرية وانتماءاتنا المذهبية والمناطقية والقبلية ومع الأسف تزداد حدته نتيجة كوننا عاطفيين، ولذلك أسباب أهمها غياب علم الفلسفة والمنطق من مناهج تعليمنا، والذي يساعد على عقلنة الأمور وترتيب التفكير وتغذيته بالتدقيق في مصادر المعرفة والأخبار قبل الانسياق إلى عاطفة تقدم عادة أحكاما جاهزة وفقيرة، والخطورة هي في تحول التطرف العاطفي لتعصب ومن ثم عنف جسدي أو لفظي أو نفسي، إلا أن التطرف اللفظي طاغٍ لدينا، ونظرة واحدة تكفي لتأمل حوارات بعض الآباء مع الأبناء والمدرسين مع التلاميذ بل والأكاديميين مع طلبتهم، بل تفحص ما يكتبه رواد المنتديات وتعليقات القراء بالصحف، والفيسبوكيين والتويتريين أنفسهم في صفحاتهم تكفي لمعرفة ما نعانيه من تطرف وتعصب، لو أننا استسلمنا لهكذا تطرف مذهبي أو قبلي أو مناطقي أو فكري، وتحول من العنف اللفظي إلى سلوكي ومن العالم الافتراضي إلى الشارع نتيجة تعصب "أعوج" ينقاد خلف دعوات مغرضة أو تحريض مباشر!
وبصراحة شديدة، وبعد انتشار بعض الدعوات لثورة حنين المشبوهة والمجهولة المصدر التي حرضت على مظاهرات 11 مارس الماضي، تفاعل بعض السعوديين عبر مواقع الإنترنت مع حقيقة من يقف خلفها إن كانوا متشددين أو إرهابيين من القاعدة أو موالين للمشروع الفارسي الشيعي، وكم أزعجني جدا ما كانت تمتلئ به بعض تعليقات السعوديين من "عنف" لفظي ومذهبي في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات العنكبوتية بل حتى في تلك الصفحات التي تم تدشينها في دعوة منها للوحدة والتكاتف الوطني السعودي.
مع الأسف الدعوات التي روجها مغرضون خائنون أيا كان انتماؤهم المذهبي حاولوا إطلاق شرارة الفتنة بشكل واضح بيننا لتضرب تعايشنا، وتؤدي بنا إلى اضطرابات تعرفون نتائجها جيدا في الدول المجاورة، محاولة استغلال حماسة الشباب وعاطفتهم وجهل ثقافتهم المذهبية ببعضهم نتيجة ضعف الحوار فيما بين الانتماءات المذهبية الشابة، فكثير منهم يعتمد في معرفته بالآخر على ثقافة شفاهية لا تبتعد في كثير منها عن مجرد حكايات وروايات أقرب إلى الافتراء والأسطورة منها للحقيقة والواقع، صدرها متطرفون من كلا المذهبين، لتزيد تباعدنا وتغذيه بما لا يفيد مشروعنا للتعايش الوطني القائم على احترام الآخر وحقوقه.
ولهذا علينا كسعوديين أن نكون يقظين جدا على اختلاف مذاهبنا وتوجهاتنا لمن يتربص بوحدة شعبنا العظيم المحب للأمن والاستقرار، ونحذر ممن يحاول استغلال تعددنا الذي هو مصدر ثراء وتميز للوطن الكبير، فالخائن لا مذهب له ولا دين، علينا أن نكون عقلانيين لا عاطفيين ولا ننساق بسهولة خلف شائعات تهدد تعايشنا في ظل المؤثرات السياسية والطائفية المحيطة بنا بدول الجوار، وأن نؤمن بوحدتنا ونتجنب العنف اللفظي ليُجنبنا العنف السلوكي ضد بعضنا، فجميعا مسلمون تحت مظلة قانون السماء الإنساني الذي نحتكم إليه في وطن نحتاجه أكثر من احتياجه لنا، وجميعنا سعوديون وطنيون سنة وشيعة وإسماعيلية، والوطن أكبر منّا جميعا.