قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، قام الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي "إيغال كرمون" والطبيبة الإسرائيلية الأمريكية "ميراف وورمسر" بتأسيس معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط "ميمري" في العاصمة "واشنطن".
قبل أسبوع احتفل معهد "ميمري" بعيد ميلاده العاشر متفاخراً بأنه المؤسسة اليهودية الفريدة المختصة بمتابعة الإعلام العربي والإيراني وترجمة أخباره وبرامجه ومواضيعه إلى الإنجليزية، مع التركيز على "الفضائحيات" العربية التي تتعرض للدول الغربية عامة وتهاجم الشعوب اليهودية وأمريكا خاصة.
في نهاية العام الماضي نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً صادراً عن معهد "ميمري"، يفيد بأن أعداء الأمة العربية يعيشون حالياً عصراً ذهبياً مزدهراً نتيجة قناعتهم بأن "الفضائحيات" العربية، بواقعها الراهن الهزيل، لن تتمكن من التأثير على الرأي العام الدولي. كما أنها أصبحت أفضل معين لأعداء العالم العربي ومنحتهم الفرصة المثلى للتعريف بكراهية الحكومات والشعوب العربية للدول المتقدمة. وأوضح التقرير أن أعداء العالم العربي لا يحتاجون إلى المزيد من الدعاية والإعلان عن أسباب سلبهم لحقوق الشعوب العربية التي لا (تستحقها).
تزامنت هذه التقارير مع (احتفال) العالم العربي بارتفاع عدد "الفضائحيات" العربية إلى 702 قناة، لتتفوق بذلك على عدد الجامعات العربية بنحو 5 أضعاف. جميع هذه "الفضائحيات" أخلّت بمقومات العولمة الإعلامية، لكونها تهدف إلى استباحة عقول شعوبنا على حساب قضايانا المصيرية، وتسعى إلى تشويه صورتنا على عكس ما نتحلى به من صفات مميزة قلّ أن تتواجد في شعوب المعمورة قاطبة.
أعتقد، والله أعلم، بأن معظم القائمين على "الفضائحيات" العربية لا يفهمون لعبة العولمة الإعلامية، ولا يعرفون أن العالم بأسره، من أصدقاء وأعداء، يراقب أفعالنا ويستغل لصالحه كافة برامجنا السيئة ومقابلاتنا الهزيلة ومسلسلاتنا الهابطة. بل أكاد أجزم أن "فضائحياتنا" العربية أصبحت الأداة المثلى في يد أعدائنا للترويج عن صورتنا المشوهة والسافرة أمام العالم.
وجاء استطلاع مركز الدراسات العربي الأوروبي ليؤكد تراجع قدرة "الفضائحيات" العربية على خدمة قضايا العالم العربي. تبين للمركز أن نسبة 41% من الآراء اعترفت بأن هذه "الفضائحيات" لا تمتلك القدرة على اختراق المجتمع الدولي بسبب غياب الإرادة المؤمنة بالقضايا العربية، وضعف الكفاءات والاستراتيجيات الإعلامية، التي لا تتقن فن دغدغة مشاعر العالم الخارجي ومخاطبته بلغته والتأثير عليه. وأقرت نسبة 24% من الآراء بأن "الفضائحيات" العربية أخفقت في مهامها لأنها موجهة أصلاً إلى اغتيال الفكر العربي واستباحة عقله وتأجيج الفتن والصراعات الداخلية، وتحريض الشعوب العربية على عدم الاندماج مع العالم الخارجي من خلال نشر الأفكار المشوهة عن تطور شعوب العالم.
واعتبرت نسبة 22% من الآراء أن "الفضائحيات" العربية محكومة أصلاً بجغرافية مواقعها المحلية المحدودة وأجندات داعميها، وعجزها عن توجيه قواها للدفاع عن تحدياتنا ومصالحنا، مما أدى إلى ترك الساحة العالمية مفتوحة أمام وسائل الإعلام الغربية لتقدم ما تريده ولتشرح المواقف التي ترى أنها مناسبة لتوجهاتها وتطلعاتها.
قبل نصف قرن بدأت العولمة مهامها بفتح الحدود الفضائية لقطاعين هما الاتصالات وتقنية المعلومات، لتصبح شعوب العالم رهينةً بأدوار فضائياتها الإعلامية التي جعلت من البعيد قريباً ومن المخفي مكشوفاً.
هنالك دول استفادت من عولمة الفضائيات في تصحيح صورتها أمام العالم، لتجعل من الخيال حقيقة ومن الدعاية واقعاً ملموساً، وهنالك دول أساءت استخدام عولمة الفضائيات، وكرّست جهودها لتسفيه الذات ونشر الغسيل وامتهان العقل، فأضحكت العالم على خيبة شعوبها وغباء تصرفاتهم، وأدت إلى ترسيخ صورتهم المشوّهة أمام أهل الأرض قاطبة.
بالأمس كانت "الفضائيحات" العربية مشغوفة بمشروعية زواج المسيار وشرعية الاختلاط، واليوم أصبح الفرق بين الثورة والانتفاضة وعلاقته بزنقة الشوارع والأزقة شاغلها الأهم، وغداً من يدري ماذا يخبئ لنا (خبراء) الإعلام من مشاريع جديدة تفتح أبواب الحوار وشهية النقاش على مدار الساعة.
إحدى "الفضائحيات" العربية، التي غصت برامجها بأهم (خبراء) الإرهاب و(علماء) كشف النقاب عن الثورات، تحولت فجأة لتصبح مرتعاً خصباً لتداول مشاكل "الأنوثة" وهموم "العنوسة"، فارتفعت قيمة عوائد برامجها، وحققت أهداف مؤسسة "ميمري".
في مقر منظمة التجارة العالمية بمدينة جنيف تجتمع الدول المتقدمة، التي لا يزيد عددها عن 20 دولة، بما فيها اسرائيل، لتطلق في غرفة أطلق عليها اسم "الغرفة الخضراء" جولة جديدة من المفاوضات، وذلك لتنفيذ خططها الاستراتيجية الطموحة وقيادة دفة الدول الأخرى التي تنازلت عن سيادتها بمحض إرادتها.
عرفت هذه الغرفة باسم "مطبخ العولمة"، الذي يضم أشهر طهاة الأحكام التجارية وأمهر ذواقي خلطات التكتلات الاقتصادية وأفضل منتجي أبازير القواعد القانونية في قريتنا الكونية. وأصبح هذا المطبخ محظوراً على وفود الدول الكسولة المتقاعسة التي بعثرت قضاياها المصيرية وهتكت بمعطيات شعوبها المتقهقرة، لتصبح لقمة سائغة في أفواه الدول المتقدمة.
اكتشف معهد "ميمري" أن الدول العربية، التي تغط في سُبـات عميق، لا تشارك في اجتماعات "الغرفة الخضراء" لعدم توفر "الفضائحيات" في قاعاتها. وتأكد المعهد من أن الفرق التفاوضية العربية لا تسهر على ملفات قضاياها ولا تستيقظ على صرخة ضمائرها وشدة غيرتها على مصير أوطانها، كما تفعل أمام "فضائحياتها".
في عيد ميلاده العاشر، احتفل معهد "ميمري" بالحظ الذي سيبقى حليفه، ما دام العقل العربي ما زال عاجزاً عن اكتشاف أسباب تخلفه وقلة حيلته وتراجع قدراته، التي هي الناتج الحتمي لتردي أحوال "فضائحياته".