أرأيتم؟ ربما تتكرر النسخ الافتراضية الإلكترونية الداعية للمظاهرات والاعتصامات في كثير من دول العالم، إلا أن الواقع يقول كلمته الحقيقية، والتي ينتصر فيها الواقعي على الافتراضي، ذلك أن ما يصنع الإنترنت لا يتجاوز كونه توفير مساحة ومنبر تصنع تأثيرها وفق مستويين: الأول هو المستوى النفسي نظرا للطبيعة الإعلامية السريعة والسهلة التي تمثلها تلك الوسائل الحديثة والتي تجعل من انتشار ما تحمله من معلومات وأحداث أمورا قادرة على التحول إلى مزاج عام، ولذلك يمكن قراءة المزاج الشعبي العربي الآن على أنه مزاج احتجاجي، أما الثاني: فهو المستوى الواقعي، أي قدرة تلك المظاهرات والتجمعات الإلكترونية على أن تتحول إلى واقع، وهنا يبدو أن الذي يتحكم هو شروط الواقع وليس شروط الواقع الإلكتروني.

هذا يأخذنا إلى الحديث عن مبررات الثورة ودوافعها في كل تجربة من التجارب التي تعيشها المنطقة العربية حاليا، تلك الدوافع التي تكشف حالات المفارقة بين ما يمكن صناعته إلكترونيا إنما لا يمكن إنزاله على الواقع، مع اليقين أنه يسهم بشكل أو بآخر في تنمية وبث تلك الثقافة الجديدة في المنطقة العربية بوجه عام.

أبرز مبررات الثورة في مصر وتونس واليمن وغيرها، هو الشعور العام لدى جميع مواطني تلك الدول بأن الأنظمة لديها تعيش مفارقة بين واقعها السياسي وبين ما يفترض أن تكون عليه، ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون دولا ديموقراطية تحولت إلى ما يجانب ذلك تماما، حتى فقدت تلك الكيانات هويتها وأخذت النخب الحاكمة في توجيه كل مؤسساتها لطمس تلك المفارقة وتمريرها، فلا الإعلام ولا التعليم ولا الاقتصاد ولا غيرها من المؤسسات تتحرك بشكل تنموي، وإنما جميعها موجهة توجيها حادا للبحث عن شرعية للكيان ولتمرير مفارقاته السياسية.

لكن في الخليج العربي ثمة صورة أخرى لأفكار الثورة أوجدت بالتأكيد نسخا تبدو في ظاهرها على الإنترنت مماثلة لما حدث في مصر وتونس لكنها في الواقع تشير إلى خلاف ذلك، فالمنطقة تقع في نقطة تماس طائفي بالغ الحدة وغير قابل للتراجع في ظل وجود نظام إيراني تقليدي ومتشدد للغاية أدى به إلى أزمات داخلية متتالية تمثلت في الانفجارات الشعبية التي يقودها الشباب في إيران، وهي ثورة لها ما يبررها ولا يمكن قراءتها طائفيا على الإطلاق، ففي إيران يعيش النظام أكبر مواجهة في تاريخ الثورة الإيرانية ويتزامن ذلك مع أداء سياسي متشدد جعل إيران في مواجهة أخرى مع العالم وحوله إلى كيان إشكالي وعسر على التعايش وعلى حسابات المصالح والوعي الجديد، ولعل ما حدث في البحرين أكبر دليل على ذلك.

في البحرين ومع أن الأمريكان يدركون أنهم في ذروة البحث عن موقف أخلاقي تجلت حدته في موقفهم المؤيد للثورة المصرية والليبية ولحق الشعوب في تقرير مصيرها إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث أمام التظاهرات التي شهدتها البحرين، لأنه من الواضح للغاية حجم التأثير الإيراني في مجريات الأحداث هناك، وهي فرصة لعرابي تصدير الثورة في إيران خاصة بعد فشلهم طوال السنوات الماضية من إيجاد أي منفذ لتصدير أفكار الثورة الخمينية للمنطقة، مما جعلهم يشعرون أن الفرصة مواتية للغاية في الاستفادة من روح الثورة التي تتغشى الشارع العربي ومحاولة إشعال فتائلها في الخليج العربي إنما بلغة فارسية، ومع أن ما حدث في البحرين من استجابة حكومية ودعوات واسعة لفتح أبواب الحوار وطرح كل القضايا وإشراك مختلف القوى الشعبية في عملية الإصلاح، ومع ما حدث من استجابة يسيرة إلا أن الهدف الفعلي للأذرع التي تسعى لإدارة الثورة تدرك أن ذلك ليس طموحها، ولذلك توشك الاضطرابات أن تعود للشارع وبصورة تكاد تخلو من المطالب، وتسعى للتأثير على الاستقرار كما حدث أمام مرفأ البحرين المالي منذ يومين.

في السعودية، كان الخبر الذي نشرته محطة سي إن إن عن اجتماع بين (أبرج مسجدي) القيادي في المخابرات الإيرانية، وبين نشطاء في حركات معارضة سعودية في فندق نايتزبريدج في لندن وما أكدته القناة حسب مصادر استخباراتية من أن أولئك المنشقين تلقوا دعما ماليا كبيرا من الاستخبارات الإيرانية لإثارة الفوضى والاضطرابات في السعودية، كان خبرا غير مفاجئ لمختلف الشرائح السعودية، إلا أنه يكشف عن حضور واسع وقوي للذارع الإيراني الذي يعيش أزمة داخلية أولا يحاول تصريفها في الخارج، وأن يسعى كذلك لتنشيط عقيدته الثورية في تصدير الاضطرابات مستفيدا مما تشهده المنطقة العربية الآن، ولقد ظن من يريدون الاستفادة من ثورة المعلومات والإنترنت أنها إنما تنقل أخبارهم هم، بينما تناسوا أنها قد تنقل كذلك مثل خبر تلك اللقاءات السرية، والتي حصدت ردود فعل واسعة في مواقع الإنترنت بل وفي الصفحات والمواقع التي كانت تدعو للمظاهرات والاعتصامات.

لقد شوهت الإيديولوجيا الإيرانية المتشددة قيم الثورة ونماذجها التي لا تزال إيجابية في العالم العربي، وكونها باتت مؤثرا في ثورات الخليج العربي، فإن ذلك يدل على أن مبررات الثورة الحقيقة لا وجود لها، وفي المقابل عليهم أن يدركوا أن عبارات الثورة والبحث عن الحقوق لا يمكن ترجمتها بسهولة إلى اللغة الفارسية.