استفدت من مالك بن نبي تقسيماته في عالم النضج، أن الإنسان وكذلك الأمم تنضج طبقا عن طبق؛ الأفراد بانتقالهم التدريجي ـ حسب كمية النضج ـ من عالم الأشياء مرورا بعالم الأشخاص وانتهاء بعالم الأفكار.

الطفل لا يفرق بين زجاجة الرضاعة وثدي أمه، كما لا يفرق بين الجمرة والجوهرة، هذا في عالم الأشياء.

كذلك فإن من يمشي خلف هتلر وصدام وناصر وزعماء كثيرين في العالم العربي، مروا وهلكوا، أو هم موجودون أحياء يرزقون، نراه يهتف لهم بالأبدية، ولا أبدية إلا لله الحي الذي لا يموت، فهذا أيضا من قصور النضج، والبقاء في خندق عبادة الأوثان.

هي هنا الأوثان الحية، وهناك كانت الأوثان من: تمر وحجر وشعارات، مثل: حرية، وحدة واشتراكية، تلك التي نادى بها حزب البعث فحصد الطغيان والشرذمة والفقر.

ولكن نموذج الأمم التي ودعت عالم الأشخاص ظهر في حكم ديجول الفرنساوي، فقد جرت الانتخابات عام 1969م بعد عاصفة المظاهرات عام 1968 م فقال، أي ديجول: إذا لم آخذ الأكثرية فسوف أستقيل.

وفعلا فقد كانت الانتخابات 52% من الأصوات ضده.

وحبس الناس أنفاسهم ماذا سيحدث؟ فديجول هو بطل التحرير وهازم النازيين في معارك الأنصار، والجواب كان واضحا، فقد استقال ومات في العام الثاني وطلب ألا يحتفل في جنازته، وأن تكون بسيطة بدون مراسم، وألا يحضرها رؤساء الدول، وأن يكتب على قبره كلمتان فقط: شارل ديجول ولد ومات في وقت كذا وكذا.

هذه القصة مقارنة بجنازة عبد الناصر ونحيب ونشيج بل وموت البعض في جنازته يعطيك الفرق الواضح بين أمة تعبد الأشخاص وأمة الأفكار، وأن الأفراد يأخذون حجمهم من الأفكار التي ينادون بها، فتبقى الأفكار خالدات ويأوي البشر إلى التراب والرغام والمقابر العامرات بالعظام وهي رميم.

كذلك الشعوب والأمم والحضارات تقلع بطاقة الروح، وتحافظ على التحليق بقوة العقل، وتنهار بانفلات عقال الغرائز.

يقول مالك بن نبي إن بلالا الأسود العبد المسلوب الإرادة والحياة كان يردد في الشمس المحرقة والصخرة العظيمة تجثم فوق أضلاع صدره: أحد أحد...

ما معنى هذه الكلمة؟ ولماذا كان يرددها في وجه أمية بن خلف؟ يقول ابن نبي: هنا لا تتحدث الغريزة بل الروح؛ بكلمة أدق هنا تولد روح الحضارة، تلك التي تقلع منها الأمم بروح الواجب وطاقة النهضة.

ابن نبي حين يقول: إن الإنسان والأمم تمر خلال دورة النضج بثلاث مراحل من الأشياء إلى الأشخاص إلى الأفكار المجردة، يقودني إلى ما أتاني من خبر عن القذافي الذي أصبح مستهدفا من كل طرف، فبعد أن زالت قوته ومحي رسمه وباعه نادي الأقوياء بثمن بخس، أقول: بدأ البحث عن سلالة هذا الرجل ومن كانت أمه وجدته؟ قال من أرسل لي الرسالة إن جدته كانت يهودية وتزوجت من شيخ قبيلة فولدت من هذا النكاح أمه وبالتالي وحسب الشريعة الموسوية فإنه يعتبر يهوديا كونه من جهة الأم.

ونشر البعض ممن عثر على بقاياه حيث بقايا قصره في مدينة البيضاء على كتب السحر والتلمود والكابالة وهي الصوفية اليهودية الغامضة، والخبر الأخير أذاعته قناة الجزيرة والناس لا تناقش الأمر من طرفين، أولا تحري الأمر والتثبت منه، فنحن في هذه الأيام يهمنا ليس الحقيقة، بل نشر وتثبيت ما في قلوبنا، والرجل، أي القذافي، سقط وهو القائد الأبدي حسب زعمه ونرجسيته أنه ملك ملوك أفريقيا، فكان لسقوطه دوي عظيم، السقوط هنا أخلاقي ولو أنه تابع وجوده بقوة السلاح.

والرجل دفع للغرب الجزية عن يد وهو من الصاغرين في تفجير لوكربي، ولكن كما يقول المثل: حين تقع البقرة تكثر السكاكين.

والأمر الأهم أن أبا جهل كان عربيا قرشيا، فأصبح من حطب جهنم، وأن القرآن يقول عن قوم موسى أن منهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. فقد يوجد بين العرب من هو سيىء، والعكس بالعكس. ومحاكمة القذافي يجب أن تأتي من أفعاله وليس من نسبه، فهذا مبدأ قرآني.

ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ومن أسرع به عمله لم ينظر إلى نسبه. وكان نبي الرحمة "صلى الله عليه وسلم" يخاطب فاطمة وهي بضع منه بهذا القطاع "سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا".