حركة التطور التاريخية تمر بمفاهيم وظواهر يصعب الإمساك بها كحقائق مما يوقع المدونين لتلك المراحل في التناقض والاضطراب وفقر المعلومات ، فالتاريخ لا يكذب والمؤرخون يكذبون. ولذا فقد كنت أشفق على من سينهض بكتابة تاريخ الحركة الرياضية في منطقة عسير والذي يمتد قرابة 80 عاماً . نظراً لعدة اعتبارات منها غياب الرصد التاريخي وتقييمه وتحليله . الزهد في التسجيل والتغيرات المجتمعية في بيئة المنطقة . النظر إلى ( الرياضة ) لا باعتبارها قوة فاعلة ومؤثرة في حياة الشعوب بل هي زمن ضائع تعاقبت عليه الأجيال . سقوط كثير من حلقات المراحل إلا ما ظهر على السطح وحفظته الذاكرة والتي كثيراً ما تخون صاحبها وتضمحل حقائقها . ادعاء بعض الشخوص الريادة والحضور التاريخي اللحظي على حساب تغييب كثير من الأسماء ذات التأثير الدلالي والتغييري في المشهد الرياضي مما أنتج حراكاً رياضياً قابلاً للنمو والتطور. ولذا استطاع الباحث الأستاذ عبدالله بن صالح البشري أن يغامر ويقتحم ذلك العالم المجهول دون الالتفات إلى تلك المعوقات والتداعيات التي قد يصطدم بها أو يملك مستنداً ومرجعاً يعينه ويستثمره في بحثه الذي ينشد من خلاله الإنصاف وتصحيح ما استقر في الأذهان من حقائق غير صحيحة ومجافية للواقع . لقد برع عبدالله البشري في تقليص التعارضات والمشاحنات وقلق المعلومات التي يجهلها كثير من الجيل المعاصر فأحال صفحات كتابة ( تاريخ ورجال ) إلى آفاق معرفية تستحضر الوثيقة والصورة والمصدر واللمحات التاريخية والتي بدأت من عام 1355هـ حتى عام 1375هـ . استعرض من خلالها ما كان يقوم به الآباء والأجداد ويمارسونه من ألعاب شعبية كلعبة ( قطعنا رأس النعجة – والمقطار – والزقرة – والقب – والغبيبا - وكرة الشراب ) وغيرها من الألعاب التي لا تزال تحتفظ بها ذاكرة المعمرين من أبناء المنطقة . وقد أشار المؤلف إلى أن بداية تأسيس الحركة الرياضية في مدينة أبها كان في عام 1368هـ . حيث قام بمبادرة من الملازم يحيى عبدالله المعلمي يرحمه الله والذي طرح فكرة تأسيس ناد رياضي في الجنوب بعد الحجاز يمارس من خلاله شباب أبها هواياتهم المحببة بطرق وأساليب مستحدثة ، وقد تم تأسيس ناد رياضي باسم نادي أبها ثم فريق عسير الرياضي والثقافي . وتوالت المراحل والأجيال والمكونات الإدارية والشبابية صاعدة نحو الحضور والمشاركة الاستثنائية متأرجحة بين التفوق والإخفاق . الكتاب يقع في 255 صفحة ويشتمل على خمسين وثيقة وما يقارب 500 صورة ويقول الباحث (أستميح الجميع العذر إن قصرت أو تجاوزت مرحلة أو أسقطت علماً أجتهد لخدمة تاريخ هذا الكيان ) . ونحن نقول له : ستقف الأجيال الحاضرة والقادمة احتراماً لك ولدورك التاريخي حين حفظت وسجلت تاريخاً كاد يندثر ويموت .