لو تجرأ أي أحد وقال: إنني أعترض على دعم وزارة الصحة بكل هذه المليارات لهاج من يسمعه أو يقرؤه من المواطنين وثاروا في وجهه وقالوا له أنت لا تفهم في التنمية، بل أنت ضد المواطن الغلبان الذي لا يجد علاجا ولا سريرا، وربما اتهموه بأنه يعيش في برج عاجي يبعده عن هموم ومعاناة الناس، وتجنبا لمثل هذه الهوجة والتهم، أقول إنني لا اعتراض لدي على دعم الوزارة مطلقا، لكن لدي بعض الأسئلة التي لا أدري إن كانت وجيهة أو لا قيمة لها، لكنني أشعر أن من حقي ومن واجبي كمواطن في منتصف العمر أن أقولها، فإن تكرم وزير الصحة أو غيره ممن يهمه الأمر سواء كان مسؤولا أو مواطنا وأجاب أو علق عليها فله الفضل والشكر، وإن لم يتكرم أحد بإجابة ولا تعليق فللجميع الفضل والشكر، ولكن قبل الأسئلة لابد من تمهيد أعتمد فيه على ما أعرفه ويعرفه كثيرون غيري في بلادنا، فأقول: منذ عقود ليست بالقليلة ونحن نقرأ ونسمع سنويا عن مئات الملايين وعشرات المليارات التي تقدمها الدولة سنويا من خلال الميزانية، وأحيانا استثنائيا – كما هو حال الدعم الملكي الأخير– لوزارة الصحة، وهو دعم ليس باليسير ومع ذلك ومع تعاقب عدد من الوزراء طيلة العقود الماضية على كرسي هذه الوزارة لم تتحسن أوضاعها، ولم تخفت الشكوى من سوء أو ضعف خدماتها للناس، بل حتى العاملون فيها يشتكون منها، سواء الأطباء أو الإداريون أو طواقم الخدمات الطبية المساعدة، فضلا عن شكاوى المرضى التي منذ أن عملت في الصحافة منذ ثلاثين سنة وهذه الشكاوى من التقصير أو الضعف أو انعدام الخدمة أو الأخطاء الطبية، كلها تكاد تكون مادة صحفية يومية، وقد تجدها في أكثر من صحيفة في اليوم الواحد، والآن وفوق ما تنشره الصحف الورقية لا يكاد يخلو منها منتدى على النت أو صحيفة إلكترونية، ولو قارنت الآن بين أي مستشفى أو مستوصف تابع للوزارة وبين نظيره التابع للقطاع الأهلي لوجدت فارقا كبيرا لصالح الأهلي، ودعك من مستوى الخدمة الطبية والعلاجية والتمريضية، ولكن خذ مستوى الأثاث والنظافة والصيانة فقط وستجد العجب العجاب، أما لو عرفت أن مستوى الإنفاق في الجانب الأهلي أقل بكثير مما تنفقه الوزارة فإن شعر رأسك لابد أن يتحول إلى مسامير. إن معنى هذا وفق تقديري وفهمي أن المشكلة ليست مالية على الإطلاق، وإنما هناك مشكلة أخرى تتعلق بالوزارة نفسها، فهي ليست وزارة عادية فقد تشعبت وتعددت وتراكمت مشكلاتها البيروقراطية والروتينية حتى استحقت وصف (مقبرة الوزراء) الذي أطلقه عليها أجرأ وربما أكفأ وزير مر عليها وهو الدكتور غازي القصيبي رحمه الله.

والآن إلى الأسئلة التي تقول: طالما أن هذا هو حال الوزارة المتواضع فأيهما أجدى للدولة وللناس المنتظرين لتحسن الخدمات، هل الأجدى استمرار الدعم الملياري وتعليق الآمال على مشاريع تقوم بها الوزارة نفسها وهي لم تسجل نجاحات لافتة فيما تحت يدها، أم الأجدى إعادة النظر في هيكلتها وتركيبتها كاملة وإعادة ترتيب أوراقها ومفاهيمها وآلياتها أولا؟ ثم إذا كانت إعادة النظر هذه – وهذا ما أتصوره – صعبة ومعقدة، أليس من الأولى اعتماد التأمين الطبي لجميع المواطنين وفق التزام الدولة بالعلاج المجاني للجميع ووفق أفضل تجربة دولية في هذا المجال – أظنها التجربة الألمانية-، وتسليم منشآت الوزارة إلى شركات تشغيل متخصصة ومؤهلة ومستثمرة، وتحويل الوزارة إلى هيئة مصغرة مرتبة للإشراف والمراقبة فقط على نمط هيئة الاتصالات؟ أليس ذلك أجدى من صرف عشرات المليارات على ما ثبت خلال عقود أن لا أمل في تحسنه؟ وأخيرا أليس من الأفضل والأوفر والأمثل أن نتوقف قليلا عن اللهاث ونقيَم تجربة الوزارة قياسا على ما أُنفق عليها خلال العقود الماضية قبل أن نكدس المليارات في حجرها المترهل ونستمر في قبض الريح؟