عندما نقول إن مملكة السويد والجمهورية الفرنسية وأمثالهما من دول أوروبا كلها متشابهة من حيث كونها جميعا تحت سقف واحد اسمه (الديمقراطية) فإننا لا نعني ما تحت السقف من تفاصيل، فالسقف للجميع ديمقراطية، أما الفروع والتفاصيل فلكل دولة دستورها وآلياتها التي تحقق بها هدف شعوبها المتمثل في الحرية والعدالة والعيش والكريم، هل التفاصيل مهمة هنا؟ أسأل وأنا أسمع وأقرأ منذ قيام ثورة تونس، ما يمارسه عدد كبير من العرب من جميع البلدان العربية (إعلاميين ومثقفين وسياسيين ومستشارين ووزراء ومسؤولين في بلدانهم) من تضليل وافتئات وتدليس على الحقيقة والواقع.

هرب ـ بن علي ـ وسقط نظامه، فارتفع صوت هؤلاء ـ جهلا أو نفاقا أو خبثا ـ مرددين: مصر ليست تونس، وراحوا يغوصون في تفاصيل الفروق، وفروع الاختلافات بين البلدين، قافزين فوق الجذر أو السقف المشترك بينهما وهو الديكتاتورية، ومتجاهلين وحدة الهدف الذي سعى إليه الشعبان النبيلان وهو الحرية والعدالة والعيش الكريم، قفزوا وتجاهلوا وارتفعت أصواتهم، وراح بعضهم ينقب في عيوب ديمقراطية الغرب ليخوف شعوب الثورة من المستقبل، وبعضهم كان وما زال عند عتبة البيت الأبيض يرصد تناقضات تصريحات سادته ويندد بمواقفهم من حلفاء الأمس، بل وفي قلة حياء مكشوفة راح بعضهم يقارن بين نعيم الاستبداد المستمر في دنيا العرب، وبين جحيم الحرية في عالم الغرب، ويختلقون لذلك أو يضخمون قصصا عن الفقر والجريمة والفوضى عند الشعوب المتحررة، والكارثة أن أصوات هؤلاء تعالت حتى أعمت (مبارك) عن أي تصرف حكيم سريع، وحالت بينه وبين تدبر الأمر بواقعية وسرعة كانت ممكنة آنذاك، لكن أصوات هؤلاء أعمته حتى وجد نفسه مضطرا للرحيل تحت سياط الحقيقة، وبعد ذلك تفجرت الأوضاع في ليبيا واليمن والأردن وعمان والمغرب وغيرها، فعادت الأصوات ذاتها تردد (علي ليس زين، ومعمر ليس مبارك) وكأن الجذر أو السقف تغير، وكأن الهدف الذي يسعى إليه الجميع ليس واحدا. الآن الأصوات المغرمة بالقفز على الجذر والهدف ذاتها تمارس هوايتها أو دورها في بحث التفاصيل والفروع لتتويه الناس أو تضليلهم وهي تردد: سوريا ليست تونس ولا مصر ولا اليمن ولا ليبيا، وكأن الدكتاتورية هنا غير، وكأن هدف الشعب السوري يختلف عما حققه الشعبان التونسي والمصري وما يسعى لتحقيقه بقية الشعوب العربية.

هؤلاء لا يخدعون الشعوب، فلم يعد ذلك ممكنا ولا متاحا، الكارثة أن هؤلاء ـ جهلا أو خبثا ـ نجحوا في خداع مبارك حتى سقط، وهم مستمرون في كل مكان في خداع الأنظمة، فهؤلاء المضللون يكرسون الفجوة بين هذه الأنظمة وبين شعوبها، ويوغلون في التدليس على الأنظمة، ويشغلونها عن التبصر في واقعها الحقيقي وتلافي ما يمكن تلافيه. إن هؤلاء المضللين هم الخطر ذاته، إنهم يقدمون للأنظمة وصفة السقوط على طبق من الزيف، مثلما فعلوا مع من هرب أو تنحى، ومثلما يفعلون الآن مع علي ومعمر والبشير وبشار، والحبل على الجرار.

الذي ما زال يصر على اختلاف الوضع بين بلد عربي وآخرعليه أن يتذكر (أبو الغيط) قبل تنحي مبارك بليلتين وهو يقول على شاشات الفضائيات: (سيناريو تونس ما ينطبقش على مصر)، ثم خرجت الجوقة من بعده تؤكد وتحلل وتستنبط الأسباب، ولم يقطع عليها النشوة إلا عمر سليمان وهو يعلن (مصر مثل تونس تماما يا نصابين).

سبق وأن تحدثت عن حكمة قابوس ومحمد السادس اللذين صما آذانهما عن هؤلاء المضللين والتفتا إلى الواقع وما زالا يجاريانه، وأمس قرأت تصريحات الدالاي لاما زعيم التبت (تينزن غيانسو) الذي أعلن أنه سيتنحى عن الزعامة السياسية، لأنه مصر على إتاحة الفرصة لرئيس وزراء منتخب وعذره وجيه، فهو يقول: لا أريد أن أكون مثل مبارك. عين العقل يا مستر غيانسو.