وحيث ضبط السعوديون يوم الجمعة الماضي ساعاتهم على الثانية ظهرا، وهو موعد الخطاب الذي وجهه خادم الحرمين إلى الشعب السعودي، وما حمله من معاني إيجابية وما تضمنه من إبراز لشخصية الأسرة السعودية التي لديها معاييرها في الوفاء والتعامل والولاء، والتي تتخاطب فيما بينها من خلال تلك المعايير المتوازنة، أشارت الكلمة إلى جهتين تمثلان الصوت النظري الداعم للاستقرار والأمن والإصلاح والتطلع للمستقبل، وهما:
الصوت الشرعي الفقهي، والصوت الثقافي الإعلامي، وجاء الأول ممثلا في المشايخ والفقهاء، بينما تمثل الثاني في الكتاب والمفكرين، وهو ما يتضمن إشارة واعية إلى حيوية الدور الفكري النظري الذي يلعبه الفقهاء والمثقفون في صناعة الموقف الوطني من مختلف الأحداث وإيجاد وجهة نظر تجعل من الاستقرار والأمن والعدل والمساواة محاور وأهدافا في ذات الوقت، ومادة للبحث والنقاش لا من أجل الدولة فقط، بل من أجل استقرار المجتمع بأكمله.
تحركت قرارات الجمعة السعودية الماضية باتجاه تعزيز مشروعات وتحقيق أهداف محورية كانت من أبرزها قضايا البطالة والسعودة، والإسكان، وجميعها محاور تنموية أسهمت مختلف عيوبنا البيروقراطية والإدارية في تأخير حلها، كما تعرض بعض تلك المشروعات لحالات فساد ذهبت بها عن الصالح العالم إلى مصالح خاصة لن يلبث الوقت أن يكشفها للناس.
لذلك وضمن أكثر من عشرين قرارا شهدتها تلك الجمعة كان الأمر الملكي السابع ضمن تلك الحزمة وهو إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وربطها مباشرة بالملك. من الواضح أن المنتظر من هذه الهيئة أن تمثل غطاء قانونيا ونظاميا لمختلف تلك القرارات ولغيرها من المشروعات التي ترزح تحت وطأة التأخير والترهل في الإجراءات، مما يعني أن الفساد الذي يجب أن تتجه الهيئة للقضاء عليه وكشفه ليس فسادا ماليا بل يشمل الفساد الذي تحويه بعض الأنظمة الإدارية العاجزة عن مواكبة الإيقاع المتسارع في الحياة السعودية، ولعل أبرز دليل أنه تم استثناء مشروعات محافظة جدة من نظام المناقصات المترهل البطيء، ليمثل ذلك أبرز خطوة لمعالجة تأخر ما تم إقراره من مشروعات منذ حدوث الكارثة الأولى، ذلك أن نظاما يعد تجاوزه حلا لأزمة ما يمثل بكل تأكيد مشكلة في ذات النظام باتت تفرز فسادا مستشريا لا بد أن يكون العمل على إيقافه ضمن أبرز أجندات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
جاء قرار خادم الحرمين وتوجيهه بتشكيل مجمع فقهي سعودي خطوة مهمة وذات أبعاد مستقبلية مؤثرة للغاية، خاصة مع ما تشهده الساحة الفقهية من تباين في الآراء حول كثير من القضايا ذات الأبعاد التنموية والتي غالبا ما تمثل نقطة مغالبة فقهية بين أكثر من رأي، ولأن الرأي الفقهي كيفما كان فمن حقه أن يعبر عن تصوره، إلا أن الرأي الذي يجب أن يمثل دعامة فقهية للقرار التنموي والاجتماعي يجب أن يكون صادرا من جهة ذات اختصاص ومسارات بحثية واسعة تدرك مفاهيم التنمية والوطنية والمساواة والحقوق، وهو ما يمثل أملا وطموحا مستقبليا في هذا المجمع.
يأتي الآن دور العمل الوطني لإحياء تجارب سابقة، أو للعمل على إيجاد مناخات جديدة للشراكة المجتمعية والتنموية، والمحافظة على ما هو قائم من سنوات في الحياة السعودية من اتساع في حرية الرأي والنقد، خاصة أن التجارب قد أثبتت أن الإنسان السعودي يقرأ واقعه بعيونه هو، ولا ينساق خلف التأثيرات التي قد تنسحب على واقع ما ولا يمكن إنزالها على واقعنا، ومن أبرز التجارب التي يمكن إعادة تقديمها وبشكل إيجابي وموسع انتخابات المجالس البلدية التي إذا ما أعيد ترتيبها بما يضمن المساواة بين الرجال والنساء، وتوسيع صلاحيات تلك المجالس وإيجاد نظام فعلي يضمن عملية ترشيح وانتخاب واعية، ويضمن تفعيلا حقيقيا لأدوار رقابية لتلك المجالس فستمثل إضافة حقيقية للحياة السعودية وفي مختلف مناطق المملكة.
على الجانب الآخر، ومع ما توليه القيادة الوطنية من اهتمام بمجلس الشورى، والذي بات الآن من أكثر الأجهزة تأثيرا في عملية صنع القرار على مختلف الأصعدة، وبات أقرب شيء إلى صوت الناس الذي يضع بصمته تحت إشراف القيادة في كثير من القرارات، فإن العمل على إيجاد رؤية للمحافظة على نظام التعيين، مع إضافة انتخاب نسبة مؤثرة من الأعضاء، لما يتضمنه ذلك أولا من تفعيل لقيمة المسؤولية لدى كل فرد في عملية الانتخاب، وما ينتج عن ذلك من ثقافة جديدة يحتاج إليها الشارع السعودي، وتسهم في تربية قيم المشاركة لديه رجلا كان أو امرأة.
ليست انتخابات المجالس البلدية ولا انتخاب نسبة من أعضاء مجلس الشورى إلا خطوات يسيرة في دعم مسيرة وطن يتحرك باتجاه تصاعدي على مستوى الأجيال والمشروعات التنموية، وهو تعميق لمسؤولية الفرد في إدارة طموح أبناء وطنه، وخاصة مع الاستقرار الفعلي الذي تعيشه المملكة والذي اتضح فيه جليا أن السعوديين مؤمنون بواقعهم وبتطويره والنهوض به، عبر أدواتهم ووسائلهم الوطنية التي تمثلها قيمهم وأعرافهم، ومع كل الخير الذي يعيشه السعوديون ومع التوجه الحكومي المصمم على إيجاد وتوفير مختلف عوامل الرفاه الوطني، تصبح المشاركة الداعمة لولي الأمر واجبا على جميع أبناء وبنات الوطن.
في مستقبل مليء بالتحديات والعمل إن الطمأنينة الوطنية ليست هشة ولا عابرة، وإن من مسؤولية الجميع العمل على أن تكون دائمة بإذن الله.