رحلة قصيرة في شوارع القاهرة أو المدن الأخرى تستطيع أن تخرج منها بمشاهد عديدة أهمهما أو أشدها لفتاً للنظر أن السياسة أصبحت تسيطر على عقول الجميع من سائق التاكسي إلى الحلاق إلى بائع الفول!.

هذه الطبقات الشعبية لم تكن تعرف إلاّ الحديث عن كرة القدم: الأهلي والفوز المحتوم بالحكام "الخصوصي"...، الزمالك ومدرسة الفن والهندسة، وهل سيحصل على بطولة الدوري بعد صيام ست سنوات...؟!، الإسماعيلي برازيل العرب وعودة حسني عبد ربه والصراع الأزلي لخطفه هو والنجوم البارزة ليحققوا مجداً آخر كالذي حققه زملاؤهم السابقون للأهلي بعد اقتناصهم من الدراويش...!، وما إلى ذلك من قضايا الكرة التي تشغل بال السواد الأعظم من المصريين، ولكن الوضع الآن اختلف اختلافاً جذرياً؛ إذ تحولت هذه الطبقات إلى السياسة بشكل في أغلبه مضحك ومؤسف!.

فما إن تركب التاكسي حتى يستلمك السائق وتبدأ الفتاوى السياسية، التي هي في أغلبها اجتهاد ممن لا يملك أساسيات التحدث في الشؤون السياسية، وما عليك إلاّ أن تصدقه وإلاّ...!، وما إن تجلس على كرسي الحلاق حتى يستلم أذنيك بالحديث نفسه، ولا تملك إلاّ الصمت والانحناء...!، وكانت تجربتي الثالثة عندما وقفت لتناول الإفطار لدى إحدى عربات الفول المتجولة، حيث استلمني بائع الفول!.

ظاهرة لا أراها صحية إطلاقاً، حيث الكل يتحدث فيما يعنيه وما لا يعنيه، فيما يعرفه وفيما لا يعرفه، ليس على سبيل الفضفضة أو السؤال أو الاستفسار وإنما هم يتحدثون وكأنهم يملكون اليقين، يقين الماضي والحاضر والمستقبل في أهم القضايا!.

إنها ثقافة الفوضى، والادعاء، وما أخطر ادعاء المعرفة من فئات محدودة الثقافة والفكر والأفق، والأخطر من ذلك أن تُتهم حين تخالف رأي بائع الفول وتحاول أن تشرح له الأمر، بأنك من أزلام النظام السابق، ويسألك: إيه يا باشا أنت منهم؟!.

كيف تحولت الفئات التي لا تعرف التحدث إلاّ في كرة القدم إلى فئات تُنظّر سياسياً، وتُقَيّم شخصيات سياسية عامة كعمرو موسى والبرادعي وأيمن نور وحمدين صباحي وغيرهم؟!.

الثقافة التي أفرزتها الثورة المصرية بحاجة إلى دراسة جادة لوضع كل الأمور في نصابها الحقيقي، وغرس نوع من الوعي كفيل بتنوير الفئات الشعبية لتدرك أن لها دوراً آخر يتناسب وما خلقت له، لا أن تتحول إلى مجموعات من المفتين السياسيين وهي لا تدرك أساساً ماذا تعني كلمة "سياسة"!.