يسعى الإنسان دائماً لتحقيق الكمال، لكنه لن يدركه كله، فطبيعة الكون (النسبية) لا تسمح له بأن يكتمل كدائرة واحدة مغلقة، وخاصة أن الدائرة تعتبر الشكل المتكامل من بين بقية الأشكال. فحينما يحاول الإنسان إغلاق دائرته الذاتية الخاصة، ربما يُعتبر ذلك أمراً خاصاً بحريته، كأن يحاول عدم الاحتكاك كثيراً بالآخرين، وبالتالي يكون قليل التفاعل مع الآخرين إلا وفق ما تفرضه الضرورة. غير أن الأمر يكون مختلفاً حين تحاول ثقافة ما إغلاق نفسها أمام الثقافات الأخرى، نتيجة قناعة لدى المنتمين لهذه الثقافة أو تلك بأن ذلك يحمي الثقافة أمام كل التأثيرات الخارجية.
وتكون محاولة الحماية هذه منطلقة من (نرجسية ثقافية/اجتماعية) مليئة بقناعات ترتكز على تبرئة الذات وتجاهل العيوب والنواقص التي يفترض تواجدها بشكل طبيعي، وهذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق الكمال المعنوي، حين تقل المنجزات ويكثر الاعتماد على التراث والإرث الحضاري كرصيد وحيد لا يمكن الإفادة منه بتجاوزه إلى مرحلة حضارية جديدة، وربما تعتبر هذه الطريقة الوحيدة لتحقيق الكمال المنشود. فتجريد الذات من العيوب قد يكون بقناعة لكنه، مهما يكن الأمر، يعتبر سمة سلبية في ثقافتنا العربية، بل إنه اليوم يعتبر من أهم المعضلات التي أستطيع القول إنها تقف حجر عثرة أمام تفاعلنا وتقدمنا وتأثيرنا الإيجابي في هذا العالم.
وهنا لا بد من أخذ مفهوم "الانتشار" بعين الاعتبار، فهو-بحسب علماء الاجتماع- تلك السمات التي تنشأ عن اتصال مجتمعين أو أكثر، فيأخذ أحدهما عن الآخر سمات ثقافية جديدة تتميز بكونها أفضل من السمات التقليدية. ولذلك يعتبر الصمود الثقافي الحقيقي هو الموازنة بين الهوية من جهة والانفتاح من جهة أخرى، فمن غير الطبيعي ألا تتطور المجتمعات وتتفاعل مع محيطها سواء القريب أو البعيد، بل إن التأثير الإيجابي والخلاق يكون للثقافات المنفتحة، أما الانغلاق والانكفاء الثقافي فهو الخطر الداخلي الأكبر، لأنه يكرّس صورة نمطية ثقافية نقية، غير أن نقاءها هذا ليس أكثر من وهم!
فالمجتمعات المنغلقة لا ترغب في الاحتكاك بالثقافات الأخرى لأنها تتوجس من الآخر وتعتبره خارج النسق الفكري والثقافي بالنسبة لها، وبالتالي ربما هي غير واثقة من أنها تملك "لغة" حضارية تستطيع التفاهم بها مع هذا الآخر، وأعني بها لغة (المشترك الإنساني) المبنية على ضرورة التفاعل الإنساني، بينما نجد أن لغة (المصالح المتبادلة) واسعة الانتشار من جوانب أخرى، سواء أكانت اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية. والغريب في الأمر أن من يرفضون عملية التحديث من جانب يقبلون على التحديث ذاته من جوانب أخرى كثيرة؛ وذلك نتيجة لوجود عقدة قديمة تسمى "الازدواجية"، يتوارثها المجتمع ويعتمدها في عموم شؤون حياته اليومية، وكأن أفراد المجتمع يعيشون بعدة أقنعة، تقتضيها المصلحة في كل حال!
ومن يعود لتاريخ الحضارات المؤثرة-متجاوزاً المحطات السياسية الضبابية- يجد في معظمها أن قوتها الثقافية تبرز في عوامل مهمة أسهمت في تطورها: النقد، التنوع، الانفتاح، الاختلاف، الجدل.. إذ إن رصيد كل حضارة هو نتيجة لمدى فاعلية الفكر والمفكرين فيها، فتنوع الفكر يعني الثراء المعرفي، والقدرة على التخاطب مع العالم الذي يسوده الانفتاح، فكثير من المجالات التي يشتغل فيها المثقفون تنحصر فائدتها إذا لم تبدأ بالنقد، إلى أن تعي المجتمعات خطورة تبرئة الذات، التي لا يمكن بها تصحيح الأخطاء، فتنعكس صورة غير حقيقية من الأوهام يتم التعامل معها على أنها حقيقة ثابتة. وبما أن عمل المثقف يتمركز على إنتاج ونشر الأفكار، فثمة مستفيد من انتشار الجهل والوهم في المجتمع، ولذلك لا يستغرب أن نجد من يحذر الناس من استخدام عقولهم كي لا يعوا الحقيقة، فالعقل يوجه الإنسان إلى التصرف الصحيح واتخاذ القرار الصائب، ولذلك يتم قمع العقل بالوصاية والتخويف والتكرار، فيدور الأفراد في حلقة مفرغة تسهم في الاحتقان الاجتماعي والكراهية للآخر، تبدأ من الانعزال والانكفاء الثقافي المؤدي إلى الكبت، دون وجود متنفس تخرج فيه الثقافة من المساحات إلى مسارب النور، وربما يعتبر توسيع هامش التعبير أحد وسائل قراءة الأفكار.
فالمجتمع الذي لا يعي ضرورة تشخيص مرضه، يستمر في التوهم بأنه سقف العالم ومنتهاه، وأنه المجتمع الأفضل مقارنة بالمجتمعات الأخرى، ولكي نقيس مدى الحقيقة في هذا الادعاء ننظر في المنجزات الثقافية والحضارية لهذا المجتمع، فإذا ما وجدنا أنها تمثل فعلاً القيم العليا التي تكفل للإنسان حياة ومستقبلاً أفضل نستطيع المصادقة على هذا الادعاء، لكن حين لا نجد سوى المفاخرة بتفوق الذات مقابل تكريس دونية الآخر على مستوى الأفراد والطبقات والجماعات، مهما كان هذا الآخر قريبا أو بعيداً، عند ذلك نفهم كيف تحولت هذه القناعات المغلوطة إلى (ذات متضخمة) لا يمكن علاجها إلا بمزيد من جرعات النقد، الذي هو الطريق الأول لتصويب الخطأ وحل المشكلة، وهنا لا نجد الوهم وحده مسيطراً على الثقافة بل نجد شيئاً آخر يتمثل بتجنب النقد، وتقويض الفكر الذي يصوَّر كبعبع؛ لأنه يسهم في وعي المجتمع بذاته، واختبار مدى الحقيقة في تصوراته التي يؤمن بها.. هل هي فعلاً حقيقة، أم نصف حقيقة، أم هي مجرد وهم.