كنت عائدا لتوي من رحلة المغرب الجميل حين أخبرتني ابنتي مريم أن زلزالا بقوة 8,9 ريختر ضرب اليابان مفجرا "تسونامي" مخيفا ومخلخلا مفاصل أكثر من مفاعل نووي، فاجتمع عليهم الغرق والحرق والنار النووية، قالت: لعله لم يضرب اليابان مثله منذ 140 سنة، ولعله الخامس الأعظم في تاريخ الإنسان. ومع أن اليابانيين سادة التيفون والزلزال يدربون كل من يهبط ناديهم أن يعتاد على خضخضة الزلزال ولكن الطبيعة ماكرة جدا فهنا فشل استعدادهم أمام أمواج التسونامي. أما تفجر المفاعلات النووية فهي حسبة جديدة أمام حضارات الطاقة المتقدمة، وهو درس بالغ لكل الأمم التي تعتمد الطاقة النووية، كما أن علينا نحن العرب أن نحسب الأسوأ لو أن مفاعل بني صهيون في الديمونة تعرض لمثل هذا الزلزال أن منطقة الشرق الأوسط برمتها ستتجرع سم بني صهيون بدون حرب نووية من التلوث الإشعاعي..

في 8 سبتمبر 1980م غرقت السفينة البريطانية (داربيشر) وعلى متنها 44 بحاراً، وكانت تحمل 150 ألف طن من الحديد في منطقة (مثلث الموت) إلى الجنوب من اليابان، بدون أن ترسل أي إشارة استغاثة (SOS) وبدون أن تترك أي أثر، ولم تصل إلى هدفها في ميناء (كاغوشيما).

غرقت ولم يظن قبطانها لحظة واحدة أنها سفينة تغرق، فعمرها لم يتجاوز أربع سنين، وطولها 290 مترا ما يتجاوز طول سفينة (التايتنك) Titanic مرتين، وعرضها يشبه طريقاً سريعاً يتسع لست سيارات، ولم يكن هناك تفسير لاختفائها.

وهذه الحادثة ليست الوحيدة، فهناك سنوياً حوادث اختفاء 2500 سفينة في المحيط الهادي بتلك المنطقة، إلى درجة أن اليابانيين سموه بحر الشيطان (مانا أومي).

وفي الحرب العالمية الثانية، خسرت أميركا أكثر من 52 غواصة، نصفها بدون معرفة السبب.

ومن الغريب أن مثلث الموت هذا، على نفس خط عرض (مثلث برمودا) الذي حيكت حوله الأساطير من اختفاء السفن والطائرات، حتى قام عالم المحيطات (ديفيد ميرنز) بتقصي الواقعة بعد 14 سنة من غرق سفينة (داربيشر) من بقعة الزيت التي تركتها بعد غرقها، ليميط اللثام عن ظاهرة (التسونامي) المرعبة، التي تقصف حياة البحارة والسفن في لحظات.

وما حدث في 26 ديسمبر من عام 2004م، كشف للناس جبروت هذه الظاهرة؛ فضرب القارات بأمواج كالجبال، وإرسال نصف مليون من الأنام إلى الموت، لم يفهم الناس معها كيف أن البحر يتحول إلى غول يكتسح اليابسة.

وحتى نعرف من يطلق هذا الغول، فلا بد من الغوص 11 كم تحت الماء; فقد كشف علم المحيطات أن هناك وديانا سحيقة في عمق البحر، لو وضعت قمة إيفرست من هيمالايا في قعره لاحتاجت إلى ثلاثة كيلومترات إضافية، حتى يطل الجبل برأسه من تحت الماء.

وحتى نفهم الظاهرة، علينا توظيف مجموعة من الأدوات المعرفية؛ فعلم طبقات الأرض أظهر أن الأرض لا تقف على ظهر سلحفاة، كما كانت جداتنا يتصورنّ، بل على صفائح قارية متحركة، فترى (الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء)، ومع تباعد الصفائح تتزحزح القارات عن بعضها، والعالم لم يكن قارات من قبل فأصبح كذلك. والبحر الأحمر مثلاً يتوسع عرضا بمعدل 4 سم كل سنة.

وهذا يعني أن مصر والحجاز بعد عدة ملايين من السنين سيفصل بينهما برزخ لا يبغيان من محيط هادر.

وعندما أقسم القرآن بالأرض ذات (الصدع)، إنه لقول فصل وما هو بالهزل، عرفنا أن تلك الصفيحات التكتونية متصدعة، تتصادم بين الحين والآخر، فتتنفس الأرض مثل (الطنجرة البخارية) من خلال هذه الصدوع. فما تحت الجبال نيران موقدة ومشاعل فائرة تتنفس من خلال هذه الصدوع، فتحرك الأمواج من العمق بسرعة 800 كم في الساعة، بأسرع من طائرة الجامبو، وهكذا فالأرض تتنفس على شكل أمواج، تزداد ارتفاعا كلما اقتربت من الساحل، حتى إذا وصلت الشاطئ، نفخت مثل المارد، فبست الأرض بسا فكانت هباء منبثا.

وهذه الظاهرة من (السوبر تايفون)، هي التي حمت اليابان والتهمت هجوم المغول عام 1280م في حملة قوبلاي خان حين أرسل 140 ألف مقاتل من خيرة ذئاب المغول بقيادة آركان تحملهم 4000 سفينة إلى اليابان بما هي أضخم من حملة النورماندي في عام 1944 لاجتياح النازية في أوروبا الممتدة حتى محيط الأطلسي.

(وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر! كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر!)