قرأت على لوحة وضعت أمام حديقة في مدينة عربية "هذه الحديقة هدية من شركة.... تقدمها لأهالي المدينة الكرام"، جاهدت ذاكرتي لتسعفني بهدايا قدمتها شركات لمدينتي فلم أستطع تذكر سوى حديقة صغيرة قدمها صاحب مستشفى خاص لأهالي جدة، وأبناء رجل أعمال توفي إلى رحمة الله يرعون الفقراء ومشاريعهم، وصاحب مطعم وجبات سريعة يقتطع من قيمة الوجبة ريالاً صدقة، ولم يحضرني غيرهم.. هل نعاني مثلا قلة رجال الأعمال؟ أو أن ما لديهم لا يكفي؟

في الحقيقة إن واحداً وثلاثين من 50 أغنى رجل أعمال في العالم العربي هم سعوديون، وهذا طبيعي جداً، فالأموال تحتاج لبيئة استثمار مثل المملكة العربية السعودية لتنمو، حيث الأمن والخدمات العالية والطرق السريعة ووسائل النقل الحديثة والتطور التكنولوجي، والأهم من كل هذا لا توجد ضرائب، إذن لم لا نجد مقابلاً لكل هذا من قبلهم مشاركة مجتمعية لشركاتهم لدعم التعليم والصحة وبناء مساكن للفقراء؟ قد يقول أحدهم: لِمَ نحتاج إلى رجال الأعمال ومساهماتهم ولدينا دولة غنية من حقنا عليها أن تبادر هي بكل شيء؟

هذا الكلام؛ تثبت التجربة خطأه، فالحكومة أعطت وما زالت تعطي وستعطي، وهي وإن كانت ملزمة بالصحة والتعليم والفقراء... إلخ إلا أنها تظل يداً واحدة، واليد الواحدة قد تمسح دمعة، وقد تحتضن، وقد تصافح، لكنها بلا شك لا تستطيع أن تصفق، وهو ما نريده، فمهما كانت إيرادات الدولة لا تستطيع أن تلتزم وحدها بخدمة المجتمع، فهناك دول تعتبر أقدر من المملكة وأكبر عجزت عن ذلك، فأمريكا مثلاً لم تقدم لمتضرري الأعاصير مساكن، ومن قدمها كان رجال الأعمال والشركات ومنها شركة أرامكو السعودية (هل قدمت أرامكو لسكان جدة شيئاً؟)، رجال الأعمال في أمريكا التي تفرض ضرائب هي الأعلى بعد بريطانيا في العالم تعهدوا بالتبرع بنصف ثرواتهم ووضعوا أهم مستفيد من ذلك التعليم، بل إن رجال الأعمال عندما اشتعلت في العالم العربي الدعوات للمقاطعة أنشأوا ما يسمى بـ Business for Diplomatic Action لتحسين صورة أمريكا، والمشاركة المجتمعية هذه ليست مقصورة على الولايات المتحدة الأمريكية، فبلد خليجي مثل الإمارات يقدم رجال الأعمال المواطنون والأجانب فيه هدايا للأهالي، من بناء مستشفى ضخم، إلى عشرات المساكن، إلى الجامعات والمدارس، إلى تقديم قروض دون فوائد لأبناء الشعب، السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي نحتاج إليه لدفع رجال الأعمال إلى أن يقدموا خدماتهم لأبناء وطنهم؟

في أمريكا يتم تخفيض الضرائب لمن يقدم التبرعات، وبلادنا لا توجد فيها ضرائب، فماذا لو تم إعطاؤهم بعض الامتيازات الخاصة، أيضاً التعزيز له دوره، فبعض رجال الأعمال يهتم بأن يتم تكريمه بأن يطلق اسمه على شارع أو مدرسة، وأعتقد أن هذا أقل ما يقدم لرجل دفع من عرق جبينه لخدمة مجتمعه ووطنه وأهله، سواء كانت هبته أو هديته حديقة أو روضة، أو دعماً للمشاريع، أو مساكن للفقراء، أو حتى رعاية طالب وابتعاثه للخارج، أو وضع جائزة للمعلم المتميز الذي يخرج من تحت يديه موظفون مميزون، أو للممرض الذي يبذل طاقته لتخفيف الآلام، أو لعسكري المرور الذي يقف تحت وطأة الشمس لتصل بضاعة رجل الأعمال سليمة وفي وقتها تماماً.