القمار أعرفه من مدينة القامشلي التي ولدت فيها، وكانت بسيطة تقوم على خشخاشة فيها نرد بست وجوه، والخشخاشة هي علبة طون فارغة تقلب على وجهها وتحتها النرد السداسي مختبئا ينتظر الحظ على أي وجه يرسو، ثم يضع صاحب القمار أمامه خشبة فيها ست مربعات عليها أرقام من واحد إلى ست تعادل وجوه النرد السداسية، ثم يبدأ بالخشخشة والقوم أمامه يضعون المال وكانت أرقام بسيطة من ربع ليرة ونصف ليرة وفرنكات، وهي أرقام لا قيمة لها اليوم فقد أصبح سعر علبة البيبسي كولا اليوم 25 ليرة وكان يومها كيلو اللحم يباع بليرتين، وهو يحكي قصة التضخم وتآكل العملة الورقية بشكل عام، وهو مرض دول العالم الثالث عموما. بل هو قدر العملات بمرض التضخم يزيد وينقص في كندا أو رواندا والسودان ونيبال.

كان اللاعب يخض علبة الطون الفارغة جيدا ثم يرفع يده فمن وضع ماله في المربع المتوافق مع وجه النرد أخذ المال مضاعفا خمس مرات، وهكذا، والمنظر الذي رأيته في مازاجان في نادي القمار وهو منتجع سياحي رائع بهجة للناظرين وآية للمتوسمين في ضاحية مدينة الجديدة التي أحببتها، وهي تبعد عن الدار البيضاء ثمانين كيلومترا يصل لها السائح في أربعين دقيقة بالطريق السريع، وفيها نزل وفندق وشاطئ بهيج، ومعها صالون عامر للقمار بكل الآلات المسلية التي ترفع الضغط وتصب الأدرينالين في العروق صبا، وفي زيارتي الأخيرة لمحتها وأنا لا أعرفها إلا من أفلام هوليود فدخلتها بدافع الفضول، فهذه المرة كانت رؤية ميدانية، قلت للحاجب هل يمكن أن يدخل أي واحد؟ قال نعم ولكن اخلع الكاسكيت قبعة الرأس قلت حسنا، ثم لاحظت رهطا من الناس بينهم نساء متحلقون حول طاولة وفيها دائرة تدور بسرعة وفيها أرقام، والنرد يقفز برشاقة من خانة لخانة والقوم (مهطعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)، وفي أقل من دقيقتين كان رجل يخسر الآلاف وثان تعنفه زوجته أنه اختار الرقم الخطأ!

التفت لرجل مغربي قلت له هل يمكن أن تشرح لي قواعد اللعبة؟ فبدأ بالشرح مما أرعبني فعلا، فهناك بعض الأقراص تحمل أرقاما من العملة تصل مئات الآلاف، ثم ضحك وقال لست في حاجة لهذا ولا أنصحك بدخول هذا النادي! ضحكت أنا وقلت لا أنا رجل طبيب وصحفي أكتب المقالات، فقد تنفعني هذه في نقلها للقارئ زجرا للمتورط وعظة للجاهل. وهنا لا أدري ما الذي أحضر إلى ذاكرتي الممثل المشهور عمر الشريف وإسماعيل ياسين المهرج الكوميدي أنهم خسرا كل ما يملكان تقريبا على موائد القمار..

وفي الحقيقة فالقمار مثل الهيروين من أخذ منه جرعة لم ينجُ إلا بطريق الإفلاس!

سألت الجارد الحرس هل عندكم أطباء في حالات الأزمات القلبية حين يقع الناس صرعى الخسارة؟ ضحك وقال نحن مزودون بكل شيء، وخارج القاعة اجتمعنا بحارس أخبرنا أن راتبه الشهري ما يعادل ألف ريال فقلت في نفسي سبحان الله من يصرف ويسرف، ومن يحرس ورزقه قُدِر عليه.

نسبة الحظ في القمار هي دوما في جيب النادي وليس من يقامر، وأنا شخصيا أذكر من والدي ولعه باليانصيب وهي أوراق بأرقام من ست أو أكثر، فمن توافقت أرقامه معها فاز بمبلغ كبير، وهي مع أرقام الحظ تقترب من المستحيل، ولكن الأكيد أن مؤسسة اليانصيب تجمع المال أطنانا.

نصحت والدي يومها أن يجمع المال الذي يصرفه في ورق اليانصيب في حصالة فسوف يكون عنده من المال بعد فترة أكثر مما يشتري من هذه الأوراق التعيسة، لم يكن يسمعني واستمر في نهج حياته، حتى جاءنا في ليلة وهو نصف غضوب نصف فرح، قال لقد (زبطت) معي هذه الليلة الورقة ولكن بفارق رقم واحد، قلت له والنتيجة؟ قال ربحت ألف ليرة بدل عشرين ألف ليرة وهي جائزة ترضية، وكانت المرة الوحيدة التي بها فاز، وكمية المال الذي وضعه في ورق اليانصيب كان أضعافا مضاعفة.

روى لي جدي هذه القصة أن رجلا حضرته الوفاة فقال لأولاده احذروا الموبقات الثلاث: الزنا والخمر والقمار! فإن كان ولابد أنتم فاعلوه فلا تدخلوا على المومس إلا بعد السحر، ولا تشربوا الخمر إلا في آخر الليل، وإذا أردتم لعب القمار فابحثوا عن أشهر بطل للقمار في البلد!

فلما مات الرجل قام الأول بتطبيق ما قاله الوالد فاجتمع بشيطانة بعد زوال المساحيق، ورأى الثاني خنازير تتقيأ الخمر مع تقدم الوقت. وحين بحث الثالث عن بطل القمار اجتمع ببيت مهدم ورجل رث الملابس فقير الحال فتعجب وقال له كيف؟ أمسك البطل النرد وهزه ثم رماه فوق سطح البيت وقال هو ستة فكان الوجه بست نقاط، التفت بطل القمار إلى الولد الثالث وقال كما تراني هذا هو مآل القمار فافهم.