أعظم الطاقات في الكون اثنتان: النووية والجنسية؛ فبالأولى أسرار الذرة ووجود المادة وبالثانية أعظم متع الحياة على الإطلاق بسبب الوجود بالتكاثر وهي صفة الحياة والبقاء، ولكن أعظم اللذائذ على الإطلاق ليست الطعام والشراب والراحة والنوم والحديث بل الحكم! والحكم يحدث بأذرع من الطاعة.

وهذه اللذة المخيفة ومتعتها هي بسبب أن الحكم يعني النفوذ والتمدد بلا نهاية، وهو ما يفسر الصراع الضاري الذي رأيناه في ليبيا ورواندا واليونان وهايتي وإيران وتركستان، فالصراع الدموي هو من أجل السيطرة، والحكم يعني بكلمة مختصرة اللذائذ مجتمعة، وهو ما دفع النمرود وهو يحاور إبراهيم أن يقول أنه يحيي ويميت، والقرآن يقص علينا القصة في ثلاث موجات قرآنية عن معنى الموت والحياة، الأولى والثالثة عن إبراهيم وبينهما الرجل الذي مات مئة عام ثم بعث.

يقول الرب (زين للناس حب الشهوات) ثم يعدد ستة أنواع من النساء والبنين وتكديس الثروات بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ثم وسـائل الركوب والانتقال من الخيل المسومة وهي حاليا السيارات الفارهة من نوع بي إم والمرسيدس وبورشه وتويوتا وما شابه، وأخيرا الأنعام والأراضي (الحرث)، وفي مكان ثان يقول القرآن يصف الدنيا أنها (لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) ليخلص بنتيجة تقول إنها مثل نبات الأرض الذي يعلو ويزهو ويخضر ثم ييبس ويصفر ثم يصبح (حطاما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا)..

هذه الدورة من رغبات البشر اختصرها أيضا على لسان سحرة فرعون حين جاؤوه يطلبون المال فقال لهم لكم ذلك وأكثر أنني أجعلكم من المقربين، وفي سورة الحاقة يندم الإنسان أنه لم ينفعه مال ولا سلطان فيقول (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه)..

إذن ربما كان أعظم ما يدور حوله البشر كما قال يوما الفيلسوف سبينوزا إنها أمران أو ثلاثة: المال ـ النفوذ والشهرة ـ وأخيرا الشهوات المادية من الطعام والشراب والموائد الفاخرة والمآكل الطيبة والنساء الجميلات الحسناوات الصغيرات (عربا أترابا)..

يقول سبينوزا في كتابه رسالة في تحسين العقل (Verbesserung des Verstandes = Improvement the Comprehension) إنه فتش عن أعظم اللذائذ التي تتسم بالكمال فلا تترك ثغرة وبالديمومة فلا تنقطع أين هي؟ ثم بدأ بتفكيك أهم لذائذ الدنيا وهي الشهوة والشهرة والمال ليصل إلى أنها قد تعطي شيئا من اللذة ولكنها ليست كاملة ولا شاملة ولا دائمة! فأين إذن هي تلك السعادة والمرح الذي يكسر الزمن والمكان فيمتد وينتشر فلهم أجر غير ممنون..

وصل سبينوزا كما وصـل من قبله الـغزالي إلى أن الـسعادة رصيد نفسي قبل كل شيء، ولكن الغزالي أبو حامد قال إن آخر ما يخرج من قلوب الصالحين هو حب الإمارة!.

وبالطبع فإن هذه اللذة الفظيعة من الانتشاء والانتشار بالكرسي ليست في حجم دون حجم، فهي في المجتمع الأوروبي ورطة ومحاسبة وفضائح وإعلانات وتشهيرات ولو سرق دولار ويورو، وهي ليست كذلك في بقية العالم.

وأحيانا أقول لو بعث الفرعون بيبي الثاني من مدفنه إلى الحياة فلسوف يتذكر نفسه مع أوضاع أنظمة الحكم في العالم العربي التي جاءت بالانقلابات العسكرية وأفرزت ديكتاتوريات تذكر بأوضاع مصر القديمة، ولكنه لو ذهب إلى أوروبا فلسوف يتحول هو بالذات إلى إنسان ديموقراطي لأن المناخ لا يسمح هناك بالتضخم إلى حجم ديناصور لاحم..