أخشى أننا سنواجه في العالم العربي فترة تقسيم تفوق في خطورتها تقسيم مؤامرة سايكس بيكو عام 1916 م التي مزقت البلدان العربية وحولت معظمها إلى مستعمرات ومناطق نفوذ. لأنه من غير المعقول أن يأتي تدخل دول الخارج لصالح المظاهرات الشعبية من غير أن يحقق لها مصالح استعمارية على حساب الشعوب العربية. فهذه الدول ظلت صامتة عدة أسابيع ولم تتدخل لوقف إراقة الدماء وإزهاق الأرواح في تونس ومصر وليبيا مكتفية بين حين وآخر بالإعلان عن تصريحات مبهمة وعائمة! ولكنها بعدما تأكد لها نجاح ثورات التغيير أسرعت تنادي بحماية المدنيين في تلك البلدان. الأخطر من ذلك أنها تدخلت في ليبيا عسكرياً بعد أن تأكد لها القدرة على عزل هلال النفط وأنه سوف يكون في أيدي الثوار. تُرى هل نتوقع من هذه الدول أن تعمل المثل فتقيم منطقة عازلة وحظرا جويا لحماية الفلسطينيين من الطائرات والدبابات الإسرائيلية؟

يمر العالم العربي اليوم بفترة عصيبة تفوق ما خلفه احتلال العراق.. وأخطر ما فيها أنها خلفت لدى المواطن العربي حالة من الشك في نفسه وبات يُـخشى منها أنها تمس نفسيته. فهو مع حق الشعب الليبي في الدفاع عن حريته وحمايته من الإبادة التي ينفذها نظام معمر القذافي، لكنه في نفس الوقت لا يريد إبادة بقية الشعب الليبي ولا يريد تقسيم ليبيا أو أن تتحول إلى مشتر بمليارات الدولارات لتعويض السلاح والعتاد المدمر وإعادة بناء المباني السكنية والبنى التحتية التي دمرتها الأسلحة من الطرفين.

يفهم معظم العرب أن الانتفاضات لها ما يبررها في بعض البلدان العربية.. ويدركون في نفس الوقت اختلاف ظروف الدول المستقرة سياسياً مثل المملكة ودول الخليج عن تلك القمعية. فالدول القمعية تحتاج إلى التغيير بينما تتمثل مطالب الدول المستقرة في الحاجة إلى الإصلاح ومحاربة الفساد. لذلك فهم لا يريدون من هذه الدول التسلق على طموحات وأماني الشعوب العربية واستقرار أوطانها ولا أن تستغل حاجتهم للحرية فتبتز مستقبلهم. إنهم يريدون من الدول الغربية (المصداقية) في المساعدة ويعني ذلك الحياد والتجرد من الأطماع. وفي المقابل ، سوف يحول العرب أوطانهم إلى واحة للسلام والتسامح والتعددية والتبادل الحضاري والاقتصادي. وبالتالي على الغرب أن يطمئن إليهم لأنهم لا يريدون الاحتفاظ بالبترول في جيوبهم ولا يريدون استغلاله في السوق.

إذا كان العرب يختلفون في الوقت الحالي عن عرب ما قبل مائة عام وقد تنبهوا للأطماع الخارجية، فإن عليهم أن يهيئوا بيئتهم الداخلية ويجففوا منها كل عوامل جذب التدخل الخارجي. وعليهم أن يطمئنوا إلى استمرار انتماء الشعوب العربية لأوطانها، فقد أثبت احتلال العراق وأحداث ليبيا نموا متزايداً للتمسك بالاستقلال وجعله خطاً أحمر.