من الصعوبة على الإنسان الاستغراق في التنظير والفلسفة فيما يخص "حقوق الإنسان"، وأن يُرجع أسباب تردّي الإنسانية وانحطاط حقوق الإنسان وكرامته إلى إشكاليات فكرية وأزمات عقلية نظرية محضة، وهو يشهد بوضوح وبدون أدنى شكّ أنّ حالات الاعتداء على هذه الحقوق تعود إلى أسباب واقعية تتعلق بالممارسة والتطبيق وتنشأ من سقوط القيم الإنسانية في السلوك الفردي أو الاجتماعي. ولعل التنوع الحضاري والأيديولوجي والمدارس الفكرية المتنوعة كانت سبباً لوجود تنوع تنظيري حول حقوق الإنسان يثبت وجود حاجة ملحَّة إلى الاهتمام الفكري بجانب الانتباه الكامل إلى الجذور الحقيقية والأسباب الواقعية للأوضاع السيئة في مجال حقوق الإنسان في العالمين العربي والإسلامي.
إن دعوى الخصوصية واحدة من الإشكاليات التي تورط فيها الخطاب الحقوقي الإسلامي، فكثيراً ما نجد من البعض تبجيلاً لحقوق الإنسان في الإسلام، وأن الإسلام حفظ للمرأة تمام حقوقها وأن الإسلام وضع قوانين شاملة لكل حركة من حركات الإنسان مستمرين في الاستعراض بهذه اللغة الإطلاقية، إنني أتساءل: هل هذه اللغة نافعة في توجيه خطاب حقوقي علمي إسلامي دقيق يضع النقاط على الحروف؟.
إن الحديث بهذه اللغة اليوم لم يعد نافعاً ولا كافياً لدى المثقف المسلم أو الشاب المتطلع، فهو يبحث عن اللغة الرقمية المحددة بعيداً عن التهويمات وثقافة "التضبيب"، إنه يقول لك: أي حقوق وهناك من يصدر تصريحاً جارحاً لمشاعر شعوب منكوبة كما حصل في تسونامي بزعمهم أن ما حصل هو عقوبة من الله تعالى نتيجة انحرافهم؟! وأين هي حقوق المرأة العظيمة في الإسلام ولزوجها الجاهل أن يطلّقها ساعة يشاء ويدمر حياتها وأسرتها لرغبة جامحة آنية له في امرأة أخرى؟!
من هنا يجب التفكير في وضع صيغة عقلانية أنضج لتكوين خطاب ثقافي موزون، لكن لا يفترض في هذه الحركة نحو إعادة التفكير أن نقع تحت تأثير الهزيمة النفسية إزاء الغرب، مطالبين بتبني الإعلان العالمي للحقوق دون مناقشة، والانضمام إلى المواثيق الدولية دون مساءلة أحد أو نقده، وكأن هذه المواثيق إرث منزل من السماء! وكأن من كتبها استشار الإنسانية بأديانها وأطيافها وحضاراتها الثقافية. إننا لا نريد أن ننتج النظام الحقوقي الإسلامي في المصانع الغربية، فلكل أمة تراثها وثقافتها، إنما نريد أن نعيد إنتاج نظامنا الحقوقي مستفيدين من التجربة الإنسانية عموما، بما في ذلك التجربة الغربية نفسها، وهذا شيء مختلف تماما عن التبعية والذوبان.
إن دعوى الخصوصية التي تطنطن بها المجتمعات الإسلامية والتي تتظاهر بتفاعلها مع الغرب الحقوقي من خلال الظروف التي فرضت عليها؛ هي في واقعها تعيش القطيعة التامة مع النتاج الغربي الحقوقي، بوصفه تقنينا بشريا يفتقد صفة الإلهية والشرعية، وكأن الغرب كله استعمار، ونهب، وسلب، وقتل، وفتنة، ولا يوجد فيه أهل رحمة، ولا عاقلون! الغرب الحقوقي، تقدم تقدما مذهلا في مشروعه الحقوقي بعد الحرب العالمية الثانية، وتطور على كافة الأصعدة في الاقتصاد، والسياسة، والأمن، والتكنولوجيا، بعكس الخطاب الإسلامي الحالي الذي لا يعتمد حتى لغة الحق والحقوق، بل لغة التكليف والطاعة الإلزامية، فبدل أن تقول الشريعة: للمرأة مثلاَ حق كذا وكذا، توجه الخطاب إلى الرجل وتقول له: يجب عليك فعل كذا مع المرأة، وخصوصاً أن هناك من المفكرين أمثال الجابري في أحد كتبه يقول (الاعتراض على الكيفية التي حاولنا بها (تأصيل) حقوق الإنسان في الإسلام بدعوى علمانية الأساس النظري لتلك الحقوق، هو اعتراض مردود عليه).. لأنه يرى أن الفلاسفة الأوروبيين و(مقولة) حقوق الإنسان لديهم تعتمد على العقل وحده، ولكن ليس ضداً من الدين، بل ضداً من الفهم الذي تفرضه أو فرضته الكنيسة وما يرافقها من طقوس. لقد احتفظوا بالدين وأزاحوا تقاليد الكنيسة وسلطتها وأحلّوا محلها العقل وسلطته. ثم يتساءل قائلاً: (فهل يتناقض هذا الموقف في شيء مع الموقف الإسلامي المؤسَّس على الفطرة والعقل والميثاق والشورى؟).
وفي هذا السياق تأتي مسألة أن بعض الباحثين الكبار في هذا القرن يشير إلى أنّ القانون الحقوقي الإسلامي يقوم على مبدأ العدالة العامّة، ومعنى ذلك أنّ المعيار في نظام الحقوق ليس راحة الإنسان ورفاهيته دوماً، إنّما المعيار هو العدالة العامة، وهي قـد تستدعي الشدّة، والإنقاص من بعض الحقوق لصالح الاجتماع العام، الذي يعود على الفرد نفسه بالخير والمصلحة، فللمجتمع حقّ على المجرم أن يعاقب، وللمجتمع حق على المرأة أن تسمح بتعدّد الزيجات، وهذا موضوع أساسي وهام يجب درسه، لتقويم المعايير المنهجية.
قضية حقوق الإنسان تستدعي أن نكون صادقين مع أنفسنا في الموازنة بين ما ينتمي للخصوصية الحقيقية وما ينتمي للحاصل المشترك الإنساني العام، وقناعتنا بأنه في هذا العصر لا يمكن لأمة أن تتقدم وتحقق الاستقرار والتنمية إذا لم توفر الكرامة لأبنائها.