هناك صور وأشكال متعددة للفساد، تتمثل في تلك الجرائم والممارسات التي تمس نزاهة الوظيفة الحكومية، مثل الرشوة والاختلاس والتزوير والاعتداء على المال العام والتحايل على الأنظمة والقوانين، وإساءة المعاملة بالتعذيب أو القسوة أو الإكراه أو سلب الحريات والغدر والمحاباة والاستئثار، وجميع هذه الجرائم تدخل ضمن إطار ما يسمى بإساءة استعمال السلطة.

وإساءة استعمال السلطة يعرفها فقهاء القانون بأنها: "قيام من تولى أمراً من أمور الأمة، أو عهد إليه به، بالاستفادة، أو الانتفاع من عمله، أو ولايته، لمصلحته الشخصية، أو لمصلحة قريب أو صديق، أو استعمال قدرته وقوته الممنوحة له بقصد الانتقام والتشفي"، وفي المفهوم الجنائي فإنها تعني: جريمة الموظف العام الذي خوله النظام سلطة على الأفراد فاستعملها على غير النحو الذي حدده القانون، أو ابتغاء غرض غير ما حدده، فأهدر حقوقاً يحميها القانون".

ولعل أخطر أنماط إساءة استعمال السلطة في الوظيفة الحكومية، تلك الأفعال والممارسات التي يقوم بها أصحاب النفوذ في بعض الجهات الحكومية، من خلال استغلالهم لوظيفتهم في تكليف الموظفين العاملين تحت إدارتهم لقضاء مصالحهم الخاصة، وتوظيفهم لخدمة أغراضهم.

وتزداد مخاطر هذا النوع من الفساد، إذا كان المسؤول النافذ في منصب أو وظيفة حساسة تتعلق على سبيل المثال بالخدمات أو الأنشطة ذات الطابع الرقابي أو الأمني أو الخدمي، كأن يعمل في الأجهزة الرقابية، أو الأجهزة التحقيقية والتأديبية، أو أن يكون مسؤولاً في بعض المراكز الخدمية المهمة.

وهذا النوع من الفساد تكمن خطورته في أنه غير واضح المعالم وتصعب إحاطته وفي الغالب يلجأ ممارسوه إلى التحايل على الأنظمة والقوانين من خلال تفسيرها على غير وجهها الصحيح بل والمزايدة عليها أيضاً، مستغلين بذلك الصلاحيات الإدارية الممنوحة لهم بعكس الأنواع الأخرى من الفساد مثل الرشوة والاختلاس، والتي يمكن رصدها وقياسها بموجب آليات رقابية معينة متعارف عليها وبأدلة إثبات صريحة وواضحة.

ويعتبر الابتزاز وتسخير الموظفين لأجل المصالح الخاصة من قبل المسؤول النافذ، من الأسباب الرئيسية لفساد الإدارة في الجهة الحكومية، حيث إن هذا السلوك قد يؤدي إلى دفع الموظفين إلى ارتكاب جرائم جنائية من أجل إرضاء هذا المسؤول أو الخوف من تسلطه.

ومن الأدوات الإدارية الممكن استخدامها للضغط على هؤلاء الموظفين، إعطاء درجة متدنية لتقويم الأداء الوظيفي، عدم الترقية، تصيّد الأخطاء الصغيرة على الموظف، وإساءة سمعته، وإحالته للتحقيق، واستخدام العقوبات الإدارية بحقه.

ولتوضيح جريمة إساءة استعمال السلطة للقارئ الكريم، أسوق المثال التالي:

لنفترض أن أحد الموظفين ذو منصب كبير في إحدى الجهات الرقابية، فيسيء استعمال سلطته الوظيفية باستغلالها لتسخير الناس وابتزازهم لتلبية رغباته، فيستغل ما تكشفه المهام الرقابية على إحدى الجهات الحكومية من ملاحظات وانتقادات، لمصالحه الشخصية من واسطة أو تقديم خدمة له، أو تكوين علاقات ونحو ذلك.

أما في تعامله مع الموظفين الذي يعملون تحت إدارته فيضيّق عليهم ويجبرهم على تعظيمه وخدمته، ويفرض عليهم أشياء بدون وجه حق، أو يذلهم بالإهانة أو السب، أو يستعبدهم في قضاء حاجاته.

ومن يرفض من الموظفين طوع خدمته، فإنه سوف يتعرض للابتزاز واستخدام التهديد بالإيذاء النفسي والمعنوي، أو الإضرار بالسمعة والمكانة الوظيفية بتلفيق التهم، وتصيّد الأخطاء على الموظف، واستخدام الترقيات والتقويم الوظيفي للضغط عليه.

فقد يرتكب هذا الموظف مخالفة صغيرة ربما لا تستحق الذكر، ولتكن على سبيل المثال استخدام سيارة حكومية في غير أوقات الدوام الرسمي، فيتم بناءً على ذلك تشكيل لجنة للتحقيق معه، بحجة أن هذه المخالفة تمس سمعة الجهة، بل سمعة الوظيفة الحكومية ككل، والمطالبة بتطبيق أقسى العقوبات على مثل هذه المخالفة، وذلك وفق الأنظمة والتعليمات حسب رأي المسؤول النافذ في هذه الجهة.

وفي نفس الوقت نجد أن هذا المسؤول قد يستخدم معظم السيارات الحكومية في الجهة لأغراضه الخاصة، بل قد يستخدم كل شيء في الجهة لأغراضه الخاصة، فقد يستخدم عمّال شركة الصيانة والنظافة المتعاقد معها من قبل الجهة في صيانة ونظافة منزله الخاص، أو منازل أقاربه!.

هذه صورة مبسطة لإساءة استعمال السلطة، التي قد نجدها في أكثر من جهة أو مؤسسة حكومية، وقد يرى البعض أن مثل هذه الممارسات تكون نظامية، وفوق هذا كله قد يجدونها حقا من حقوق المسؤول، وذلك لأسباب ثقافية واجتماعية لا مجال لذكرها هنا، ولكن أود التذكير بأن أنظمة وقوانين الدولة تجرّم مثل هذه الممارسات فقد نص المرسوم الملكي رقم 43 لعام 1377هـ على تجريم التحكم في الأفراد، أو الافتئات على حق من حقوقهم الشخصية بأي صورة من الصور، أو تكليفهم بما لا يجب نظاماً، ورتب على من يقوم بهذا الفعل عقوبة جنائية هي السجن بما لا يزيد عن عشر سنوات.

كما أن الدولة اهتمت بحقوق الموظف وواجباته، فأصدرت الأنظمة والقوانين التي تكفل حقه، وتكفل عدم المساس بحريته، ووضعت الإجراءات التي تحميه من التصرفات الإدارية التعسفية والانتقامية القهرية.

ومن هذه الأنظمة نظام الخدمة المدنية ونظام تأديب الموظفين، كما كفلت الدولة تطبيق هذه الأنظمة من خلال جهات مستقلة مثل ديوان المظالم وهيئة الرقابة والتحقيق، وتم اكتمال هذه المنظومة بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي سوف تساهم بإذن الله في الحد من مظاهر الفساد والتي منها إساءة استعمال السلطة.