هل يصدق أحد أن ديوان (الشوقيات) الذي بين أيدينا الآن مزور تزويراً فاضحاً؟ هذا ما طرحه الدكتور مصطفى رجب، فالقصة بدأت منذ أربعة وخمسين عاماً حيث يرجع الفضل في كشف هذه الجريمة إلى عالم كبير من علماء المسالك البولية هو الأستاذ الدكتور مصطفى الرفاعي الأستاذ غير المتفرغ بكلية الطب جامعة الإسكندرية. فالرجل يعشق شعر أحمد شوقي منذ طفولته وشبابه وعاصر قصة التزوير وكتب عنها في مقدمة طبعة خاصة طبعها على نفقته وسماها (الشوقيات الصحيحة). وقد بدأت القصة عام 1956م، حين أعيد طبع الشوقيات بعد أن تم حذف 260 بيتاً من قصائد لأمير الشعراء تدور كلها حول مديح أفراد من الأسرة المالكة في مصر، وقد رأى المنافقون للثورة ممن قاموا على طبع الديوان، أن يحذفوا تلك الأبيات تقرباً من نظام عبدالناصر، مما أدى إلى نقصان الجزء الأول من الشوقيات الخاص بالقصائد السياسية ويقع في خمسين صفحة كاملة منها قصيدة محمد علي باشا ومطلعها: علم أنت في المشارق مفرد لك في العالمين ذكر مخلد. وقصيدة الخديوي إسماعيل ومطلعها: حلم مده الكرى لك مدا وسدى ترتجى لحلمك ردا. وقصيدة (تهنئة) حين فتك وباء الكوليرا بكثير من قرى الصعيد ومطلعها: الدهر جاءك باسط الأعذار فأقبل فأمر الدهر للأقدار. خمسون ألفاً في المدائن صادهم شَرك الردى في ليلة ونهارِ. وقصيدة (الجامعة) وقد ألقيت يوم الاحتفال بافتتاح الجامعة المصرية عام 1908م في مقرها القديم قرب ميدان التحرير، وهو قصر تبرعت به الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل عمة الخديوي عباس الذي افتتح تلك الجامعة يقول مطلعها: يا بارك الله في عباس من ملك وبارك الله في عمات عباس. وقصيدة (السلطان حسين كامل) والتي قالها بعد توليه عرش مصر في بداية الحرب العالمية الأولى ومطلعها: الملك فيكم آل إسماعيلا لا زال بيتكم يظل النيلا. وقصيدة (على يد الله) ومطلعها: ما للقرى بين تكبير وإهلال وللمدائن هزت عطف مختال. وقصيدة (دمعة وابتسامه) وقد قالها شوقي يوم عودة (أم المحسنين) والدة الخديوي عباس حلمي بعد غيبة طويلة في تركيا ومطلعها: ارفعي الستر وحيي بالجبين وأرينا فلق الصبح المبين. وقفي الهودج فينا ساعة نقتبس من نور أم المحسنين. يقول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله معلقاً على هذا التزوير: هو مهانة وجهالة وسوقية، فهل فعلت إنكلترا مثل ذلك لشكسبير، أو فرنسا لموليير، أو ألمانيا لجوته، أو إيطاليا لدانتي ؟ ما الذي دعاهم إلى حذف هذين البيتين اللذين يحذر شوقي فيهما من وصول الجهلة إلى البرلمان: اليوم يا قوم إذ تبنون مجلسكم تبنون للعقب الأيام والحقبا. دار النيابة قد صفت أرائكها لا تجلسوا فوقها الأحجار والخشبا.