تكفى ترى (تكفى) تهز الرجاجيل.......... لولا ظروف الوقت ما قلت: تكفى

الشاعر الشعبي يخبر عن أثر (تكفى) ثم يعتذر لكرامته التي أهدرتها (تكفى) بأن ظروف الوقت والحاجة هي فقط ما جعلته يريق ماء وجهه ويطلب بـ(تكفى)، ومرة سمعت شاعراً شعبياً أيضاً يرددها بقصيدة لولا معانيها الغارقة في الذلة والسؤال لتعجبت من قوتها وبلاغة صاحبها، وكلمة (تكفى) في أصلها مضمومة التاء بمعنى (تُكفى الشر) دعاء له، وحرفت في لهجاتنا ففتحت التاء؛ أي كأنه يقول له: كُفيت الشر أعطني، ولربما اعتاد العرب؛ واضعو اللغة الجميلة أن يطلب بها غير الحق، فالحق يطلب بالحق وليس بالاستجداء.

الأنظمة والقوانين والخطط التي عمل السعوديون على إعدادها منذ أن نشأت بلادنا، وحرصوا على ألاّ يكون هناك خلل فيها قد يؤدي إلى ظلم أو ضياع حق أو ذهاب نصيب إلى غير صاحبه؛ تكفل ذلك دون الحاجة إلى "تكفى"، لكن مع ذلك أصبح المواطن مجبراً على استعمالها للوصول إلى حقه، ومن يجبره على ذلك هم أنفسهم الذين يعتبرهم خبراء الإدارة سبب الفارق بيننا وبين العالم المتقدم؛ فيقولون إن الفارق بيننا وبين العالم المتطور يكمن في Management Gap؛ أي الفجوة الإدارية، ويقصد بها انعدام الكفاءات الإدارية التنفيذية، خاصة تلك التي تفسر القرارات كما يمليه عليها تفكيرها أو سلوكها، أو بالأصل أنفسها وما تنطوي عليه، فإذا كانت تعاني مثلاً من جنون العظمة فعليك أن تكتب عشرين مرة (تكفى) قبل أن تأخذ حقك، وإلا لن تحصل على شيء حتى لو أن النظام كله معك؛ لأن النظام هو هذا الإداري في عقله الذي لو بحثت قليلاً، ستجد أنه أصبح في هذا المكان بسبب (تكفى) أخرى، وليس بسبب مهارته أو كفاءته، وإلا لتصرف بمهنية وطبق النظام دون حتى أن تقف بباب مكتبه المغلق دائماً في وجه المواطن حتى يمرر كلمة (تكفى) لفراش المدير ثم للسكرتير، ومن ثم (حضرة) المدير، أقول ذلك، وأنا أتذكر أن الخالة لولوة، وهي سيدة عندما توفي زوجها قررت أن تلقي بانتقادات المجتمع في مهب الريح، وعملت في إحدى المدارس كمستخدمة، لولوة تستيقظ مع الفجر وتحضر للمدرسة قبل الجميع هي والحارس وزوجته -هكذا يجب أن يحدث- وتوقع للدخول بالساعة والدقيقة لكنها توقع للخروج دون تحديد الوقت. وفي الحقيقة إن وقت خروجها يحدده أولياء الأمور، فإذا قرر ولي أمر أن يجعل ابنته آخر اهتماماته، ويمر لأخذها من المدرسة الرابعة عصراً أو الخامسة حتى، فإن المعلمة المناوبة والخالة لولوة والحارس وزوجته سيكونون جميعاً يرعون ابنته.

إن نظام الخدمة المدنية يحدد ساعات العمل للخالة لولوة وتدفع لها الوزارة مقابل تلك الساعات فقط التي ليس من ضمنها ساعات المناوبة اليومية، فهل من حقها خارج دوام بما أنها كل يوم تنتظر مع الطالبات المتأخرات، ومتوسط تأخيرهن كما يوضح دفتر المناوبة هو الساعة الثالثة والنصف عصرا، لا شك نعم، إذن لم لا تأخذه؟ في الواقع إنها لابد من أن تقول (تكفى) أعطني حقي لواضع تعميم يجبرها على مناوبة يومية وهو مخالف لأنظمة الخدمة المدنية، دون أن يحدد لها خارج دوام، في الواقع هي قالتها لكن لي: تكفين يا عزة اكتبي عنا!