داخل مستشفى الصحة النفسية بالطائف، المعروف "بشهار"، الوضع مختلف جدا عما كان عليه قبل سنوات، عندما زارته "الوطن" أول مرة. عدد كبير من النزلاء يتجولون داخل المستشفى بأريحية تامة، بعد أن حصلوا على بطاقات تخولهم بذلك. العاملون في المستشفى يتعاملون مع قاطنيه بثقة تامة، وود متبادل بين الطرفين، دعابة وفكاهة، فالصورة السلبية التي كانت، انمحت كثير من معالمها، واستبدلت بأخرى أكثر مهنية وإنسانية.


الزيارة الأولى


"الوطن" وأثناء زيارتها الأولى لـ"شهار"، قبل نحو 5 سنوات، كشفت عن بعض التجاوزات بحق المرضى النفسيين، نشرت حينها على صدر الصفحة الأولى للصحيفة، وأثارت الرأي العام حينها، إلا أنها غيرت بشكل إيجابي الوضع داخل المستشفى، وساهمت في ترتيب الأمور بشكل أفضل، لذا، قررت "الوطن" إعادة الكرة مرة أخرى، وسبر أغوار المستشفى، والدخول في دهاليزه، للتثبت من حدوث تغيير حقيقي وواقعي.





العنبر رقم 8


على بضعة أمتار من مدخل العنبر رقم 8 - وهو العنبر الذي نشرت "الوطن" قصة ما يتعرض له المرضى بداخله من تجاوزات وغسيل جماعي - وقفت قليلا، ترددت في الدخول، ولاح أمام نظاري تفاصيل المشهد الدرامي، لإحدى حلقات المسلسل الشهير "طاش ما طاش"، والذي كان البطل فيه يؤدي دور الصحفي الذي يريد أن يسبر أغوار إحدى المصحات النفسية، وانتهى به الأمر نزيلا في أحد عنابر المصحة! وزادني قلقا ما رواه مرافقي، المنسق الإعلامي للمستشفى، حسن الشهري، من قصص مخيفة، يتعرض لها الزوار والعاملون في العنابر، وخاصة أن من بين النزلاء، من قتل زوجته وابنه.

لكن مرافقي عاد وطمأنني، بأن الأمور تسير في العنابر على خير ما يرام، وهناك علاقات حميمة بين النزلاء ومن يقوم على خدمتهم، حينها، زاد حماسي للدخول إلى أهم العنابر، والذي يضم ثلة من المرضى المزمنين، المرفوضين من قبل أسرهم.


الريال السحري!


على مدخل العنبر، استقبلنا شاب سعودي يرتدي زي التمريض، وأوصلنا إلى رئيس الجناح، محمد بن طالع الشهراني، وكان منظر النزلاء وهم يتجولون في صالات العنبر مخيفا بالنسبة لي، لكنهم كانوا يبتسمون لكل من يواجههم، ثم يباغتونهم بقولهم: أعطني ريالا، ولو علمت بأن "الريال" يعمل مفعول السحر، لحولت كل ما في جيبي إلى ريالات، قبل دخول العنبر.


أجنحة متعددة


يضم المستشفى عدة أجنحة، وهي: أجنحة دخول، وأجنحة تأهيل، والأخيرة عنابر ثابتة لا تتغير، بخلاف أجنحة الدخول، التي تستقبل وتودع النزلاء بصفة مستمرة، وأجنحة طب شرعي، إضافة إلى أجنحة للتخلف العقلي. ويعد الجناح رقم 8 من أجنحة التأهيل، ويعود تاريخ وجود أقدم مريض في الجناح، إلى شهر جمادى الثاني، العام 1400هـ، أي قبل نحو 31 عاما.

منهجية العمل


العمل في الجناح الثامن، يرتكز على التمريض العام، ومراقبة المرضى وخدمتهم، حيث إن كثيرا من المرضى لا يستطيعون خدمة أنفسهم، لذا فالممرض هو من يقوم بذلك، وهناك طبيب مقيم على مدار الساعة داخل الجناح، أما الأخصائيين والاستشاريين، فكل أخصائي أو استشاري يغطي 3 أجنحة من المستشفى.


نقصُ الممرضين


المتعارف عليه في نظام منظمة الصحة العالمية، فإنه من المفترض أن يكون هنالك ممرض واحد لكل 5 مرضى نفسيين، ولكن في مستشفى الصحة النفسية بالطائف، فإن كل 3 ممرضين يقومون بخدمة 40 مريضا! وأحيانا يكون هنالك ممرض واحد، لخدمة هذا العدد من المرضى، في حالة العجز، نتيجة الغياب والإجازات.


عدم تعاون الأهل


إن أكبر مشكلة تواجه العاملين في المستشفى، بنظر العاملين فيه، هي عدم تعاون المجتمع الخارجي، مشيرين إلى أن بعض أهالي المرضى يرفضون الحديث معهم عبر الهاتف، بل يتصلون بالعنبر ويطلبون النزيل بالاسم، وبمجرد سماع صوته، والتأكد أنه حي، يغلقون السماعة، ولا يكلفون أنفسهم الحديث معه، بالرغم من أنه يدرك ويعي ما يدور حوله، ويستطيع الحديث معهم. حيث إن الأسر تعتبر أن المريض النفسي متعب لها، إلا أن ما يريده القائمون على المستشفى "التعاون وإخراج المريض في حالة استقرار، وإعادته إذا رجع لحالته المرضية، حيث إن المستشفى سوف يستقبله في أي وقت".


نزيل الـ 6 ملايين!


من القصص الغريبة في المستشفى، أن أحد النزلاء لديه ثروة تقدر بـ6 ملايين ريال، ومع ذلك ترفضه أسرته، رغم تحسن حالته، ومنحه بطاقة تجول داخل المستشفى، لكنه لا يخرج إلى الخارج.


ود متبادل


الود بين النزلاء والعاملين، هو السائد في التعامل بين الطرفين، من خلال تحسين الأداء، لنتيجة أفضل في العلاج، حيث يؤكد المسؤولون في المستشفى، أنهم يعاملون بعض المرضى كـ"زملاء، ولا نستعين بهم إلا في أضيق الحدود".


ممرضون سعوديون


رئيس الجناح الثامن، أشار بإيجابية إلى دور الشباب السعودي في خدمة المرضى، قائلا "الشباب رائعون في العمل، ويعانون في التعامل مع هذه الفئة، وخاصة أن الممرض في مستشفى الصحة النفسية يتوقع الإساءة من المريض في أي لحظة"، مبينا أن بعض هؤلاء الممرضين يتذمر من عدم نقل وظائفهم إلى ملاك المستشفى، من أجل الحصول على حافز العمل في مستشفى الصحة النفسية، وقدره 30% من الراتب".


طاقم نسائي


في العنبر رقم 4، ثلة من النزلاء، الذين لا يختلفون كثيرا عن نزلاء عنبر 8، إلا أن معظمهم من العجزة ملازمي الأسرة، والمتخلفين عقليا، مما جعل رعايتهم تسند للممرضات، بدلا من الممرضين. "الوطن" زارت العنبر، والتقت برئيسته ليلى عيسى، التي أوضحت أن الطاقم نسائي بالكامل، لحاجة النزلاء لعناية خاصة وفائقة، وأن الممرضات يعملن فيه على مدى 3 فترات. موضحة أن "أكثر نزلاء الجناح من كبار السن والعجزة، ومعظمهم في الثمانين من عمره، وأصغرهم في العشرين"، مشيرة إلى أن "جميع الممرضات في الجناح غير سعوديات، خلاف رئيسة القسم"، مبينة أن "الممرضات السعوديات يعملن في العنابر النسائية، ويرفضن العمل في الأقسام الرجالية، حتى المتعاقدات يرفض بعضهن العمل في الأقسام الرجالية، بالرغم من أن تخصصهن تمريض عام".

وعن عملها في قسم رجالي، النزلاء فيه من المرضى النفسيين، قالت عيسى "أرفض العمل في أي قسم رجالي بأي مستشفى، عدا مستشفى الصحة النفسية، لكوني أُفضل أن أمرض مريضا نفسيا من الرجال، على تمريض مريض جسدي في أي مستشفى آخر، لأن المريض النفسي لا يعرف من أنت، ومن تكون، ولا يفرق بين الرجل والمرأة، هو يريد عناية فقط. أما المريض الجسدي، فيفرق في التعامل بين الرجل والمرأة"، مشيرة في ذات الوقت إلى أن "هناك أقسام في المستشفى، يفضل أن يكون فيها التمريض رجاليا، لكون النزلاء على درجة كبيرة من الوعي، ما يجعلهم يدركون التعامل مع النساء، كأي مرضى جسديين".


مثبطات جنسية


وعن منح النزلاء "مثبطات جنسية" أوضحت ليلى عيسى أن "ما يعطي للمريض، هو فقط دواء العلاج النفسي، ولا يعطى أية مثبطات جنسية. والمرضى حاليا في الجناح ليس لديهم إدراك بأن من يتعامل معهم امرأة، ولم يسبق وأن حدثت أية تحرشات من المرضى النفسيين، وخاصة أنهم فئة خاصة فاقدة الوعي، ومعظمهم يعاني تخلفا عقليا يصاحبه فصام".


قتل زوجته وابنه


عيسى، لاحظت أن عدد المرضى الذين يزارون من ذويهم "يعدون على الأصابع"، أما عن أغرب الحالات في الجناح، فهي لـ"مريض قاتل لزوجته، نوم فترة من الزمن، وخرج وقتل ابنه، وأعيد إلى المستشفى، ولا يزال فيه".


العلاج بالترفيه


العمل في المستشفى لم يعد مقتصرا على عنابر التأهيل والدخول، بل هناك أقسام مساندة، منها قسم العلاج بالترفيه، والعلاج بالعمل، والتي كان لها دور بارز في الخروج بالمرضى النفسيين من عزلتهم، وإعدادهم للخروج إلى المجتمع الخارجي. ففي قسم العلاج بالترفيه، ذكر رئيس قسم النادي الاجتماعي الرياضي، حمدان الجعيد، أن النادي "يقدم تمارين رياضية سويدية، وكرة السلة، والطائرة، للنزلاء، وبرامج ترفيهية، ونشاط مسرحي كل يوم ثلاثاء"، كما يشتمل النادي على مكتبة وأنشطة ثقافية، ويستفيد منه العديد من النزلاء، بتوصية من الطبيب، تحت مسمى "العلاج بالترفيه". ويستفيد من القسم نحو 50 مريضا. أما الأجهزة الترفيهية والملاعب، فهي رغم توفرها، إلا أنها "متواضعة".

الجعيد أبان أن النزلاء يسعدون بالبرامج المقدمة لهم، كما "يعطون حوافز مادية وتشجيعية، وهناك برامج خاصة بالأعياد والمناسبات الوطنية، ولديهم الكثير من المواهب، وخاصة في الشعر والرسم، وتقام لهم حفلات داخلية، وأخرى خارجية، للذين يعتبر خروجهم خارج المستشفى لا خطورة فيه".


العلاج بالعمل


أما في قسم العلاج بالعمل فيقول نائب رئيس القسم، علي السليماني، إن القسم "يقدم للمرضى مهارات مهنية، تحت إطار العلاج بالعمل، لإخراج المريض من أجواء المستشفى، وإشغاله بما يعود عليه بالنفع، والخروج به من العزلة "موضحا أن القسم "يستوعب 35 مريضا"، مبينا أنهم في سلوكهم هذا "لا نطمح لإنتاج المريض بقدر ما نشغل وقته، مراعين خطورة الأجهزة والآلات والمهن على المرضى". أما عن المدربين، فهم من العاملين في المستشفى.


دورات فنية


الأخصائي عبد الرحمن جابر الثبيتي، أوضح لـ"الوطن" أن المستشفى يقدم "دورات مهارية في التربية الفنية، والحاسب الآلي، والسباكة، والنجارة، بإشراف مساعدين في التدريب"، بالرغم من أنه "ليس هناك مدربون معتمدون" ،مشيرا إلى أن "الهدف من إحضار المريض للمركز، هو الخروج به من العزلة، وتغيير الجو من حوله، وتهيئته للعالم الخارجي، بعد الخروج من المستشفى".