حينما خرجت من بلدي عام 1975 لم أتصور نفسي لحظة واحدة أنها قد تكون اللحظات الأخيرة في رحلة الدياسبورا.
وفيلم الأوديسة الذي مثَّل فيه كيرك دوجلاس رأيته العديد من المرات يحكي قصة ملك أيتيكا أوديسيوس الذي شارك في حملة طروادة، ولم يعد لعائلته ويرى زوجته بيلينوبي وابنه تيليماخ وكلبه العجوز إلا بعد أكثر من عشرين سنة، يجول تائها في بحار لا تنتهي شواطئها، تعرَّض فيها لفقدان الذاكرة، وكيف سقطوا في قبضة العملاق بعين واحدة في أرض ليبيا، ثم محنة سماع أغاني حوريات البحر يجذبن السفينة إلى الصخور الغادرة، ولم يكن لينجو لولا أن أمر البحارة بوضع الشمع في الآذان فلا يسمعوا هتاف الحوريات، وربط نفسه بقوة إلى الصارية فلا يطيعوا الأوامر، حتى انتهت المحنة ليعرف كم الحياة مليئة بالعذاب والنصب.
ثم الاجتماع بالساحرة سيرسا التي تبدت له في صورة زوجته بينلوبي، وعندها حدثت المواجهة المفزعة في الدخول إلى عالم الأموات، فبعد أن عرضت عليه آلهة الأولمب الخلود رفضها وقال بل أعيش إنسانا وأموت إنسانا؛ فصرخت في وجهه وقالت حماقتكم معشر البشر لا نهاية لها! تريد أن تموت بطلا؟ إذن انظر خلفك سوف ترى أخيليس وأجامنون وإياكس من أبطال اليونان ومصائرهم.
في هذه اللحظة من اختلاط العالم السفلي، وتدفق الأموات إلى عالم الحضور، في أجواء من الضباب، بالكاد يعبرون عن ملامحهم، تتقدم والدته على غير موعد واستدعاء تهيب بأوديسيوس العودة إلى عائلته التي تذوب شوقا لمعرفة مصيره، وتصرخ بها الساحرة سيرسا أن تعود إلى عالم الظل والظلام. هنا يعد أوديسيوس والدته بالعودة إلى إيتيكا.
من بين الأموات جاءت المفاجأة أعظم بظهور بعض من رفاقه في الرحلة التي آثروا فيها ترك أوديسيوس عند الساحرة بعد أن تمكنت من عقله، ولكن رحلتهم لم تظفر وتأخذ الساحرة بيد أوديسيوس وتريه كيف يلتهم البحرُ في عاصفة من التايفون سفينتَه بما حوت من البحارة. يرى أوديسيوس غرق رفاقه أمام عينيه.. لا يكاد يصدق..
لقد رأيت الفيلم باللغة الألمانية مدبلجا وما زال محفورا عندي في الذاكرة من الأفلام الراقية المتعوب عليها الهادفة من خمسينات القرن الفائت، من أفضل ما أبدعته هوليوود.
وكم أتمنى أن تكون السينما هادفة دوما تنمي الثقافة وتحفز الذاكرة وتضيف المعلومات وتبني تقاليد خاصة للعائلة في الأفلام الهادفة وليس الهابطة.
يقرر أوديسيوس الرحيل ويصنع أخشابا تلقيه على شاطئ مجهول، يكرمه ملك المنطقة ويحتار فيه سحرته ويظهر عليه نبل التصرف، وهو لا يذكر أي شيء على الإطلاق، حتى تحين اللحظة التي يسترد فيها عافيته وذاكرته ويعتذر للفتاة نوزيكا ابنة الملك أن زوجته تنتظره.
وتنتهي الملحمة في أيتيكا بمذبحة عارمة، يدخل المدينة وعشرات الرجال يخطبون بينلوبي كي تختار عريسا لها يحكم المدينة فليس بإمكانهم الانتظار أكثر، وهي تماطلهم بغزل السجادة نهارا وفك عقدها ليلا، وإذ يدخل عليها أوديسيوس الغائب على شكل شحاذ متسول يزعم أنه كان برفقة زوجها المختفي تطلب منه المشورة وكيف تتخلص من العشاق، يقول لها نعم لا يمكنك الانتظار أطول، تشكو له سأم الليالي وهي تعد النجوم وتسأل السماء وليس من جواب.
ينصحها أن من يستحق الفوز بها هو مهر أوديسيوس السابق حين فاز بها فتُقَدِّم قوس أوديسيوس كي يعقد وتره من يستطيع، ثم يضرب سهمه فيخترق فوهات عشر "بلطات" منضدة خلف بعض.
حين تتقدم إلى القوم بالطلب يقولون إنها خدعة جديدة، ولكن لا بأس ليست صعبة، ثم يجرب حظه كل واحد للنيل بينلوبي؛ فيعجز الكل؛ فيتقدم المتسول بين عاصفة العشاق؛ فتقول بينلوبي المكلومة تقدم أيها الغريب، فيقول عندي زوجة فلست براغب بثانية ولا مبدل!
ثم وبسرعة يعقد الوتر ويضرب السهم فيخرق فتحات "البلطات" العشر، ويصرخ العشاق بصوت واحد مجلجل لقد عاد أوديسيوس... لقد عاد!!
يغلق الصالة أوديسيوس مع ابنه تيليماخ ولا يوفر حياة أحد.
تعقب بينلوبي بكلمة آسرة؛ لقد عدت بغير ما عرفتك، فلم تكن يداك ملطختين بالدم كما أعرفك، نعم تلك الرحلة إلى حرب طروادة غيرته وإلى الأبد، فجعلت منه قاتلا دمويا وليس ذلك الزوج المحب اللطيف.
لا أدري ما الذي حرك في الذهن عندي عاصفة الذكريات بعد أن هدأت قليلا..
أنا عشت أيضا دياسبورا عظيمة، ولكنها علمتني الرحمة والموعظة وبعد التأمل والأمل برحمة الله أن لاتستبد بنا الأحزان والقنوط قط..
(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).