التغيير أنموذج لتقدم الشعوب وتأخرها، رغم أن الإنسان جُبِلَ على الحذر، وعدم الانقياد حيال كل جديد، لأن الجديد يعني تغييراً على غير ما ألفه وركن إليه، أو أخذه عمّن قبله، ليعتقد صاحبه سهولة توفير عناء المشاركة ليعيش في منطقة راحة تعود عليها لذلك لن نستغرب إن وجدنا مجتمعا متقوقعا على نفسه بسبب عدم سماحه للأفكار الجديدة بالمرور ليقوده ذلك إلى عدم التقدم، وهنا تكمن المشكلة في الانسياق وراء (هذا ما وجدنا عليه آباؤنا) وإن ما كانوا عليه هو البقاء لأنه الأفضل بالنسبة لهم.

وعند العيش في عالم حديث تكون سرعة رياح التغيير فيه هي الناطق الجبري في شتى الطرق، فإن ذلك يفرض علينا حياة مدنية واستخلافا مؤثرا في جميع المجالات والاتجاهات الأربعة، ومن المهم حينها أن نتأمل في لغة التغيير ومن أين تبدأ، وإلى أين تنتهي؟.

النمور الآسيوية صقلت ازدهارها ونهضتها بتفتيق أذهان شعوبها أولا، فسنغافورة بعد إعلان استقلالها عن ماليزيا ـ منذ أربعين عاما ـ وهي دولة معدمة الموارد الطبيعية، بدأت نهضتها عبر بوابة التعليم، يكشف عن ذلك مدير المعهد الوطني للتربية في سنغافورة سينج كونج حين يقول: "سنغافورة كانت قبل الاستقلال تعاني الفقر، وكان لزاما على الدولة أن تحل تلك المشكلة فلم يكن ثمة طريق سوى التعليم الجيد.. والتغيير المؤسسي والمنهجي المبني على (المدرسة) كان من أبرز تلك المبادرات التي نقلت التعليم السنغافوري إلى التميز في السياق العالمي"، أما جارتها ماليزيا فقد بدأ مهندس إبداعها مهاتير محمد أغلب خططه في التغيير على نظام التعليم وخاصة (المدرسة) حتى خرجت بأفضل النظم التعليمية والبحثية، لتصير جامعاتها قبلة لأكثر من مئة ألف طالب أجنبي. وفي عقدين من الزمن فقط، تحولت فنلندا من دولة مهمشة متخلفة أوروبيا ترزح تحت رحا طاحونة الاتحاد السوفيتي إلى دولة متقدمة تتسنم قمة التعليم في العالم، وهو ما تؤكده وزيرة التعليم الفنلندي تولا هاتانين حين تقول: "ما الذي سيمكن دولة صغيرة مثل فنلندا من أن تحقق أجورا عالية واقتصادا يعتمد على الكفاءات العالية وهي لا تستطيع أن تتنافس مع دول الاقتصادات الآسيوية؟ إنها مسألة بقاء وليس لها من سبيل غير الاستثمار في التعليم والتدريب، فالتعليم يستكشف وظائف جديدة ومهارات جديدة للقوى العاملة، ولذلك يتوجب علينا مواصلة هذا الاستثمار.. لقد خرجت نتائج هذا التوجه بأن أصبح اقتصاد فنلندا متقدما وأصبح شعارها ثقافة الابتكار".

وعند النظر في تجربة كثير من الدول المتقدمة، نجد أن المعيار الحقيقي لنهضة الحضارات والأمم يبدأ من التعليم (فقط) وينتهي إليه، لأن في التعليم إرهاصات التنمية، فقل أين وصل تعليم أي دولة، لتعرف أين موقعها من العالم الآن؟ وعند النظر في التطوير المنشود للمؤسسات التربوية والتعليمية، نجد أن ميزانية عامنا الحالي منحت 26% من نفقاتها المعتمدة لقطاع التعليم أي بما يوازي 150 مليار ريال، وبزيادة تقدر بـ8% عما تم تخصيصه في العام الماضي، وهذا كله لا يدخل ضمن ميزانية مشروع (تطوير التعليم)! ننسى أن المال وحده لا يكفي فهو مجرد وسيلة تأخذنا إلى حيث نريد (نحن)، وحتما لا يمكنه التحكم في استدعائنا للخطط الاستراتيجية القادمة التي نأمل أن تنطلق أولا من رحم الميدان التربوي الذي نتمناه بدءا بفكر وسلوك طلابنا ومعلمينا وإداراتنا ومناهجنا الدراسية للنهوض بالجدران الأربعة المحيطة بمستقبلنا كما قال الأمريكي جيمس بارث عن (المدرسة)، وتحويلها إلى مؤسسة خلاقة للإبداع وبيئة محفزة للتعلم من أجل تحقيق المستوى التعليمي العالي للطلاب والطالبات، وتعزيز قدراتهم الذاتية والمهارية والإبداعية وتنمية مواهبهم لتواكب التطور التعليمي، من خلال نظرة شمولية مستقبلية تمثل التحدي الحقيقي لتطوير التعليم، فالمدرسة هي التغيير الفعلي الوحيد في مستقبل وطننا الذي يجب علينا إصلاحه أولا ثم لننطلق بعدها في كافة الاتجاهات الأربعة.