مفهوم اللا عنف قارة مجهولة في الثقافة العربية، والبعض يظن أنه استسلام وخنوع، وصنف يرى أنه تعطيل للجهاد، ولكن المقاومة المدنية التي رأيناها في الساحة العربية مؤخرا أصبحت مدرسة، وأنا شخصيا حاولت في أوروبا بدون فائدة تأسيس الاينوفيم (ENOVIM = European non violent Movement) ثم أدركت صعوبة الحفر في صخر الجلمود العربي، حتى فوجئت بالأحداث تنتصر لفكرتي وكيف تمسك الناس بهذه العصا السحرية في التغيير.

وما أتى به غاندي هو في الحقيقة نهج الأنبياء السيكولوجي في تغيير النفوس البشرية والمجتمع سياسيا بدون إكراه، ولكن أثر غاندي في ثقافتنا ضعيف، لأنه غير مسلم، والرجل كان خليط الأفكار يقرأ من كل الثقافات والديانات والكتب المقدسة وأهم ما أتى به أسلوب اللاعنف في التغيير السياسي الاجتماعي.

دعينا للمشاركة في منتدى سجى الفني بعمان عام 1995م. أتذكر من ذلك اللقاء غرابة مفاهيم اللاعنف التي كنا نطرحها في ذلك المنتدى، كنا أربعة أشخاص، أحدنا غادر إلى عالم الآخرة رحمه الله وكان يقدم برنامج الشريعة والحياة، هو الأخ ماهر عبدالله والثاني كان ياسر زعاترة، والرابع هو الأخ الفاضل جمال خاشقجي. حين طرحوا علي سؤال أسلوب اللاعنف وقعت بين متعجب ومستنكر، والحصيف الوحيد كان خاشقجي الذي تنبه على نحو مبكر لهذا اللون من التغيير، فقال" يا جماعة إنه أسلوب جديد تأملوه فهو غير ما اعتدناه".

نعم كان أسلوب اللاعنف الذي عرضناه في تلك الجلسات مثار نقد وسخرية وتعجب واستهجان.

في إحدى الجلسات كان الأخ الفاضل سليم العوا والكبيسي العراقي، وحين أدليت برأيي حول المقاومة السلمية وأسلوب اللاعنف في التغيير مستخدما آيات سورة المائدة عن صراع ولدي آدم علَّق يومها سليم العوا وقال إنه أمر لم يتحدث به بعد أي مفسر. ثم رأيت كيف أنه ومن معه استخدموا هذا الأسلوب في صراع ساحة التحرير ففازوا فوزا عظيما.

وكان اعتراضه أنني قلت إن هذا المفهوم هو من الآيات الست الموجودة في سورة المائدة عن صراع ولدي آدم من كلمتي (الخاسرين والنادمين) بأن القاتل دخل في مذهب المقتول بعد قتله، فهو لم يدافع عن نفسه وتقبل الموت بصدر عار فقتله أخوه، وهذا أسلوب نفسي هام في تغيير عقيدة الخصم.

ومن أعجب الأمور التي سمعتها في 21 مارس 2011م من ساحة التغيير في اليمن أن أحد الشباب ردد نفس الكلمات فأمسكت رأسي لا أكاد أصدق أين وصلت هذه الأفكار التي نادينا بها منذ أكثر من ثلاثين عاما فأصبحت الترياق السلمي للتغيير.

في تلك الأثناء في عمان ضحك الأخ ماهر رحمه الله من فكرة المقاومة اللاعنفية وقال إن التاريخ كله دماء فماذا تقول؟ قلت له يكفي أن تعلم أن أعظم تغيير في التاريخ الإنساني تم وبنجاح كامل في تحويل المجتمع سلميا، كان ما فعله النبي العدناني عليه أفضل الصلاة والتسليم وكان بأسلوب سلمي ممنهج على خطة واضحة ألا يستخدموا القوة المسلحة قط في التغيير عند قوم اعتادوا الحرب والضرب.

ما زالت تلك الجلسة محفورة في ذاكرتي جيدا،لأنني أصغيت للأقوال في حدود 25 دقيقة حتى إذا انتهى الجميع من الحديث كان جوابي أن ما عرضتموه من حجج ضد الأسلوب اللاعنفي في تغيير السياسة والمجتمع ليس جديدا بل "عندي من الحجج الإضافية ما يمكن أن أزودكم بها، ولكن لماذا أجعل مهمتكم سهلة؟".

وفي ذلك اللقاء تحدث الأخ الفاضل ياسر الزعاترة فقال لا تسمعوا لما يقول هذا الرجل! في جلسة لاحقة قام شاب أردني وعلق على الكلام وقال إن الدكتور جلبي يحرص على السلام ويحقن الدماء والزعاترة يدعو إلى سفك الدماء. ومن أعجب ما قرأت لنفس الزعاترة حديثه من قريب عن إيمانه بالعمل السلمي الذي دعونا إليه، وآمل ألا يكون ضربا من التكتيك السياسي، فأنا غير مقتنع بما يقوله السياسيون.

وإن كان أملي هو مثل أمل الطبيب في البنسلين وتثبيت الكسور بالحديد واستخدام الطنين المغناطيسي لمعرفة الأورام، أي أن الخلاف الإنساني ينتهي حين تتحول الأفكار إلى علم. وفي قناعتي أن كافة التيارات بدأت تؤمن بهذا الترياق للاستعمال، ليس عن معرفة منهجية كما هو الحال في ابتلاع حبوب الأسبرين والباراسيتامول للصداع، فالناس لا تعرف تركيبه الكيماوي ولكنها تبتلعه لعلمها أنه يشفي ويزيل الصداع كما في الصادات الحيوية التي تأتي على الأمراض الإنتانية..

لعل الأخ خاشقجي يتذكر تلك الجلسة وكيف أنه نصرني فيها وانتبه لحصافة الرأي في مثل هذه الأساليب في التغيير، وشاهدي أن ما يجري في الساحة العربية يظهر لك حصافة الرأي السلمي وجدواه، وغباء العمل العنفي وشراسته وكمية خرابه ودماره كما رأينا في ليبيا. (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين)