الصحف قبل أن تكون مشروعا إعلاميا تنويريا ثقافيا.. هي مشروع تجاري.. لها موازنات سنوية بعضها تقدر بمئات الملايين.. لها أعضاء مساهمون.. لها إدارات عامة.. لها مجالس إدارات.. مشاريع حضارية نعم.. لكنها مشاريع تجارية تدر ذهبا على مساهميها!

مشكلة أغلب المؤسسات الصحفية أنها تولي جل اهتمامها لمراكزها الرئيسية.. وقليلا من الاهتمام للمدن الكبرى.. ولا شيء يذكر من الاهتمام للمدن الباقية!

وهو ما يعني أن المراسل الصحفي ذهب في "خبر كان".. الذي أعرفه ـ من واقع الممارسة الطويلة ـ وألمسه من واقع المراسلين الصحفيين ـ بحكم ارتباطي بالكثير منهم بعلاقات صداقة وزمالة ـ هو استمرار معاناتهم..

النقطة الأولى التي تثير شجونهم ـ ولا أقول جنونهم ـ هي عدم تقدير جهدهم ماديا بالشكل الذي يتناسب مع العمل الذي يقومون به.. فأصبح نظام الحساب بـ"القطعة" هو المسيطر على علاقة الصحف بمراسليها.. تماما وكأننا نتعامل مع محل مفروشات يبيع الـ"موكيت" بالقطعة، ولسنا أمام إنسان يبذل جهدا كبيرا لملاحقة خبر أو مناسبة أو حدث!

النقطة الثانية تتمثل في غياب الجانب التدريبي.. الصحف تطالب مراسليها باشتراطات معينة سواء في الخبر أو المتابعة أو التعامل أو غيرها.. لكنها لا تقدم لهم أي فرصة للتدريب وتطوير الذات.. بل إن بعض الصحف لا تعرف مراسليها إلا من خلال الهاتف.. ولذلك لا تستغرب حينما تكتشف أن مراسلا لم يدخل مقر صحيفته الرئيسي، ولم يلتق برئيسه في العمل، بل ولا يعرف دورة العمل الرئيسية في المقر الرئيسي لصحيفته!

المراسل الصحفي يبذل جهدا كبيرا.. راقبوا أغلب الانفرادات الخبرية والمواد الصحفية المتميزة، معظمها يأتي من مراسلي الصحف في المدن الصغيرة.. ولذلك يجب الاهتمام بهم.. لا يمكن لهم الإبداع في ظل هذه المعطيات.. المراسلون الصحفيون لا يطلبون المستحيل من إدارات المؤسسات الصحفية.. فقط يريدون أن تقابل مؤسساتهم الصحفية جهودهم بمكافأة ملائمة.. سياسة "القطّارة" التي يتم التعامل بها معهم لم تعد لائقة.. الأمر الآخر، مسألة التدريب والتطوير.. يفترض أن يتم النظر إليها بعين جادة..

المراسلون الصحفيون هم وقود الصحافة.. إذن؛ هل هم أصحاب حق أم لا؟!