كثيرة هي الكتب التي نقتنيها نحن معشر "المثقفين" لدرجة أننا نبذل الكثير من المال والجهد والعلاقات من أجل الحصول على بعضها.
بالنسبة لي، أمتلك مكتبة كبيرة تُزينها العشرات من نفائس الكتب التي تنتظر دورها في طابور طويل من الكتب التي لم تُقرأ بعد. كتب قيمة حرصت على شرائها بسبب الجدل الكبير الذي أثير حولها. قررت أكثر من مرة أن أقتحم ذلك العالم المثير الذي تعرضه تلك الكتب، إلا أنني وكما هي عادتي الأثيرة إلى قلبي، أخطط لفرصة مواتية تتيح لي التفرغ التام لقراءتها بشيء من التركيز والجدية والهدوء، ولكن يبدو أن تلك الفرصة الموعودة لم تعرف طريقها بعد لمزاجي المتقلب. قبل مدة بسيطة، جمعتني مناسبة إعلامية بعدد من المثقفين والإعلاميين المميزين السعوديين. أكثر ما لفت انتباهي ودهشتي من بين كل تلك المجموعة المشاغبة هو "عبد العزيز الخضر"، إنسان هادئ جداً، يُجيد لغة الصمت، ولكنه ما إن يبدأ بالكلام إلا ويحصد الانتباه والإعجاب. إذاً هذا هو عبدالعزيز الخضر، الكاتب الرائع والإعلامي المميز، مؤلف كتاب "السعودية: سيرة دولة ومجتمع".
قبل عدة أيام، انتهيت من قراءة ذلك الكتاب المهم، وهو كتاب ضخم يقدم "قراءة في تجربة ثلث قرن من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية"، حيث يرصد المؤلف أبرز التحولات والمراجعات الدينية والفكرية والثقافية والإعلامية والاجتماعية في المجتمع السعودي منذ بداية الثورة النفطية وحتى وقتنا الراهن. ويُعتبر هذا الكتاب الأول من نوعه في هذا المجال الذي يوثق لهذه المرحلة المهمة والطويلة من تاريخ هذه الأمة الكبيرة التي مرت بالعديد من التحولات والتداعيات.
أكثر ما شدني في ذلك الكتاب القيم هو الرؤية العميقة والواعية التي يتبناها المؤلف في أحد الفصول المهمة من ذلك الكتاب والتي تتمثل في عبثية بعض الصراعات الثقافية والاجتماعية والطائفية حول قضايا معينة ذات سيناريوهات مكررة تُعيد إنتاج نفسها بين الحين والآخر، مما أسس لثقافة شكلت ذهنية تصادمية ومزاجا حادا ونظرة نمطية أحادية، تلك الثقافة التي يستخدمها البعض في الدخول في أتون صراعات تقليدية لا طائل منها.
كتاب رائع، أنصح بقراءته وتأمله، كما أتمنى من المؤلف أن يضيف فصلاً مهماً أثناء إعادة طبع هذا الكتاب القيم، فصلاً يرصد التحولات المثيرة في الخطاب الإعلامي للعديد من كتاب وكاتبات الصحف المحلية خلال عام 2011م، هذا العام الاستثنائي في تاريخ العالم العربي، بل وفي كل العالم، هذا العام الذي سيُشكل فاصلاً زمنياً مهماً في بداية الألفية الثالثة. العالم بأسره، وخصوصاً العالم العربي مدين لهذا العام المثير بالكثير من التحولات والتغيرات والتطورات التي ستُعيد صياغة وتشكيل الوجه الحديث للوطن العربي، بعد عقود ـ بل قرون ـ من الجمود والتخلف. فالتحولات المثيرة والمدهشة التي استفزت المشهد الثقافي خلال الشهور القليلة الماضية تضع أكثر من علامة استفهام حول واقعية وشفافية الكثير من الرموز الإعلامية والثقافية والفكرية، سواء كانت محسوبة على التيار الديني أو الليبرالي. لقد تماهت الخطابات، وتبادل الخصوم الأدوار، ولم تعد تلك المسافة الفاصلة بين المعسكرين واضحة كما كانت في السابق، لم يعد هناك يسار أو يمين، لقد توقفت البوصلة عن الحركة. ما يحدث الآن هو أشبه بخلط للأوراق والأفكار والاتجاهات والأيديولوجيات، كما أن الأحداث الدراماتيكية المتسارعة وعلى أكثر من صعيد أفقدت بعض كتابنا ومثقفينا بعضاً من قناعاتهم وفكرهم.
بصراحة شديدة، لم تعد حالة الفرز والاختيار ممكنة هذه الأيام، إنه عصر التحولات المدهشة في الخطاب الإعلامي الذي يُمارسه الكثير من الكتاب والمثقفين، إنه استغلال لتداعيات المرحلة الجديدة. البعض يعزو ذلك التحول الكبير أو تلك المراجعة التي تجتاح بعض الأسماء المشهورة، خاصة المحسوبة على التيار الليبرالي، وذلك لغياب المشروع الحقيقي الذي يستحق الثبات، أو لتفشي ظاهرة الانتهازية في الوسط الإعلامي، أو لعدم القدرة ـ أو الرغبة ـ على التجديف عكس التيارات القوية، أو هي تصفية لبعض الحسابات القديمة بين مختلف الأطراف.
أختم بهذه العبارة الرائعة التي تلامس كبد الحقيقة، حيث يقول علي الوردي، المفكر العراقي الكبير، في كتابه الشهير "لمحات من تاريخ العراق الحديث": إن الكلمات عند الشرقيين هي مجرد ألفاظ لا تعني شيئاً، فقد يقولون اليوم شيئاً وينقضونه غداً، وهم لا يتركون هذه العادة أبداً.