كان آخر مقالات الأستاذ القدير محمد صادق دياب في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان "أبو البنات" المنشور في تاريخ 31 مارس، أي قبل رحيله عنّا بسبعة أيام تقريبا، ورغم تعب العلاج والألم والمعاناة مع مرض خبيث، لم يفقد حرفه وهجه ولا أفكاره رشاقتها، ولم يفقد أسلوبه متعة الحكاية ونحن الذين نقرؤه لنتعلم دروسا مما يتناول بقلمه موضوعات حساسة ومهمة في حياتنا وتاريخنا، وبحق لم أرغب في الكتابة عن أستاذي القدير، لأني أشعر بالعجز التام في الكتابة عمن خسرته الصحافة والثقافة السعودية، ولأني أعرف أنه لن يقرأ مقالي هذه المرة، وهو الذي شرفني كثيرا بقراءة هذه الزاوية ومتابعة ما يكتبه هذا الكائن البسيط فيها، ليعلق بين حين وآخر على ما أطرحه وأكثرها في رسالة "جوالية"، وحتى حين كان مريضا في لندن، في كل مرة أريد أن أكتب فيها مقالا عنه أشعر بأني لا أستطيع خوفا من أن يفهم كتابتي عنه تأبينا ورثاء يقرؤه قبل وفاته، وهو الإنسان الحساس جدا، كنتُ أكتفي بمبادلته بعض الرسائل، والتي أرسلها له على جواله للاطمئنان على صحته، ولا يتأخر أبدا في الرد رغم المرض، وفي كل رسالة يستمر في تعليم تلميذته وأكيد تعليم الكثيرين من حوله بأنه مقاوم وصامد أمام المرض، حتى مزاحه وسخريته اللطيفة لم تتغير، فلطالما يلقبني مازحا "حليمة بدون بولند".

يا الله .. حين عاد للكتابة في الصحيفة الخضراء فرحت كثيرا، فمقالاته بالنسبة لي بمثابة درس في فن الكتابة الصحفية لكني شعرت أنها وسيلة أمل للتعافي، وقد انقطع عنها بسبب مرضه، وعاد بعد مقالة الزميل الأستاذ مشاري الذايدي بالشرق الأوسط محرضا له، وهو ما أفصح عنه بنفسه، واستمر يكتب ويكتب بينما العلاج الكيماوي ينهكه ويغتال خلاياه، وكأنه يربي فينا روح المقاومة والتصالح مع الذين يحاولون اغتيالنا لآخر اللحظات، لقد فقدت الساحة الثقافية والصحفية أحد أهم عمالقة الإنسانية السعودية، وأحد أهم الذين حفظوا لنا تاريخ جدة القديمة والحجاز، وكم كانت حكاياته الجداوية ملهمة عن حارات جدة القديمة وبواباتها وأسوارها والهنداوية أيضا، هذه الحارة التي خرج هو منها واحتفى بها كثيرا ووهبها الحياة في مقالاته وحكاياته وشرفها بمن تحدث عنهم من نجومها.

ومن الصدفة القاسية أن هذا المرض أخذ مني قبل عامين ابن أختي وهو بمثابة ولدي "سعود" رحمه الله في ذات الشهر (4 أبريل) ليعود لي الحزن من جديد بفقد أستاذنا، وقد كنتُ أنتظر عودة العمدة من لندن معافى، لنكمل ما بدأناه معه قبل اكتشافه للمرض بأيام قليلة، وهو تصوير حلقتنا معه في برنامج "4 على الخط "الذي أشرف على تنفيذه وإعداده في القناة الثقافية، صورنا معه الجزء الأول المتمثل في التقارير الخارجية، والتي اختار لها أماكن قريبة من قلبه أهمها جدة القديمة، ولم أكن أبدا أدرك أنها ستكون آخر ما نعيشه معه، ما زلت أتذكر صوته، "حليمة آسف لن أستطيع إكمال التصوير معكم، لازم أسافر للعلاج" قلت له: "أستاذي ننتظرك وسنحتفل فيها بنجاح علاجك"، هذا ما آمنت به، ولكن تبا لهذا المرض العضال، أفقدنا أستاذا هو من أكثر الناس نقاء واحتراما، وحول حلقتنا معه إلى عزاء عنه للثقافة والصحافة السعودية.

يا الله .. ارحمه برحمتك وأسكنه جنتك وثبت زوجته وبناته وثبتنا معهن إنك بهم أرحم الراحمين.