ما زالت العلاقات بين المسلمين من خلال كثرة الأحداث والنيران والاحتراب الطائفي تحتل مراكز الصدارة ضمن الخضم الإعلامي الرسمي بالعالم العربي وهذا مرده لأن التاريخ الإسلامي على امتداده كان هوس العقلية الطائفية حاضراً فيه على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية ليغدو جزءاً لا يتجزأ من الوعي نفسه، حتى إذا فكر أحدهم بطريقة مغايرة تجده يوصف بأسوأ الأوصاف ويرمى بأقبح النعوت، بل الأدهى والأمر من ذلك أن يوسم بأنه طائفي!

إنه أمر في غاية الغرابة! يبدو أن الهوس الطائفي أوجد حركات اجتماعية أو سياسية تبدو في ظاهرها وشعاراتها الشوفينية المعلنة أنها تصب جام الغضب على الطائفية المقيتة ولكنها عند التحليل العقلاني تجد أن أفرادها يعيشون في داخلهم الطائفية السيئة الضاربة في الأعماق نعم إنها (طائفية اللاطائفيين).

إنني أتصور كي نصل إلى الهدف الصحيح علينا اختيار البداية الصحيحة، البداية الصحيحة بالنسبة لموضوعنا الطائفية هي توجيه أصابع الاتهام إلى الذات وما فيها بدلاً من التفنن في نقد الآخرين، فلعل الحل يكون فينا على طريقة ذلك الذي يبحث طويلاً عما فقده وهو بجانبه لكنه لا يراه.

إذا ألقينا الضوء على ذواتنا كعقلاء سنفترض أولاً أننا لسنا طائفيين لكن السؤال الرئيس ماهو سر التراوح والتثاقل في حركة اللاطائفيين؟ بمعنى نريد دراسة ظاهرة الطائفية المقيتة، من خلال دراسة حركة اللاطائفية كمشروع بديل.

ولادة هذا المشروع وأقصد (اللاطائفية) في مجتمعاتنا الإسلامية يبدو أنها مازالت متعسرة بل وتحتاج إلى عملية قيصرية كونها لم تنبع من الداخل بل فرضت عليها من الخارج وأقصد بالخارج الدول العظمى ومخططاتها السياسية لتكون اللاطائفية بالنتيجة حالة مؤقتة وهشة تعتمد أصولها على المكاسب الخارجية من الناحية السياسية، الأمرالذي يدل على أن المنطلقات السياسية لا يعول عليها كثيراً في القضاء على الطائفية فهي أشبه بمسكنات للآلام لكنها في الحقيقة لا تشفي من المرض.

وفي المقابل إذا تأملنا في الداخل الإسلامي بكل تنوعاته الدينية والثقافية نجد أن شروط المناعة من مرض الطائفية تكاد تكون شبه معدومة، ومصداق ذلك ما نلحظه من حالة التناحر والتصادم مع الآخرالمخالف في الرأي أو في المذهب، فبتنا نشهد حركات تكفيرية متطرفة تستبيح الدماء وتنتهك الأعراض وتسلب الأموال باسم الإسلام وبشعارات قرآنية مقدسة وما حصل ويحصل في العراق وأفغانستان والجزائر وغيرها من البلدان الإسلامية شاهد حي على ما نقول، هذا التفكك والتصدع هو بحاجة إلى ترميم وإعادة تجسير للعلاقات الاجتماعية للخروج من هذا النفق المظلم والواقع المؤلم، فالتنظير لمسألة الزواج من أبناء المذاهب الأخرى، وشرعية المعاملات الاقتصادية معهم، واستحقاقهم الأموال الشرعية والصدقات، وكذا البحث في جواز غيبة المسلم من غير المذهب الذي يعتقده، أو جواز الصلاة خلفه جماعةً، وهل الاعتقادات ركن أساس في بناء مفهوم العدالة؟ بمعنى أن الذي لا يعتقد بالمذهب الحقّ ـ حسب تصوّر كل إنسان ـ هل يغدو فاسقاً حتى لو كان ملتزماً بأحكام الشريعة تماماً؟ وكذا مسألة العلاقات الاجتماعية وحقوق المؤمن على المؤمن ومدى سريانها إلى المسلم من سائر المذاهب، واشتراط الإسلام أو المذهب الخاص في القاضي والمفتي والشاهد و...، وكذا الدفاع عن المسلم من المذاهب الأخرى في داخل الجسم الإسلامي ضدّ هجمات الخارج واعتدائهم. مفاهيم لابدّ من إعادة قراءتها بصورة جريئة وموضوعية، في سبيل إعادة فقة الوفاق بدلاً عن فقه الافتراق، فقه يؤكد على أن الأخلاق الإسلامية غير قابلة للتجزئة بل هي عامة وشاملة للجميع على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم بل ربما قيل بشموليتها للمجتمع الإنساني برمته.

لا يفهم من ذلك أن الحركة اللاطائفية تدعو إلى الذوبان بل تدعو إلى الوحدة في خط التنوع لا إلى التحول المذهبي أو تشكيل إسلام بلا مذاهب كما يحلو للبعض تسميتها، بل هي دعوة للانفتاح والاندماج مع الآخر من موقع العارف بهويته وخصوصيته.

ولكن ثمة مشكلة أخرى يعيشها أنصار الحركة اللاطائفية وهي السريالية والنرجسية التي تعيشها النخبة والتي جعلتهم في نهاية المطاف كمن يغرد خارج السرب باستعراضهم لمقولات التكتيك والمراحلية والحلول بعيدة المدى فالفلسفة والتنظير الرومانسي بكل ما فيهما من جمال وعمق في الواقع غير مجديين في التغيير بعكس نصوص الزهاد حتى ولو كان علمهم قليلا، فهم أقدرعلى التأثير، هذه هي الحقيقة الجلية، ما أريد قوله إن الحركة اللاطائفية لابد لها في عملية التغيير أن تكون أكثر واقعية لتنزل إلى الساحة وتلامس هموم الناس، وبما أن الشارع ينزع للحالة الدينية فهذه حقيقة لامناص منها، فالظرف يفرض عليك مواجهة الطائفية المقيتة بذات اللغة وإن كانت اجترارية وكلاسيكية، لكن تركها والتعالي عليها لايحل المشكلة بل يفاقمها، فالهجوم على مجموعة بذات اللغة أحياناً يجعلهم مترنحين في موقف الدفاع بدلاً من أن يكونوا في موقف الهجوم.

وأخيراً لا أريد القول (إني أسمع جعجعة ولا أرى طحناً)، فالكل ينتقد الطائفية المقيتة حتى بت أسأل نفسي أين هم الطائفيون إذن؟ إن حركة اللاطائفيين العقلاء في مجتمعاتنا الإسلامية تستوجب عليهم أن يعيدوا النظر في تجربتهم مرة أخرى والعمل على خلق حالة استنفار في ظل الأزمات المتعاقبة في المشهد الإسلامي، والإعلان عن ولادة مرحلة جديدة من العمل؛ رسالتها ذم الطائفية السلبية. رؤيتها المكاشفة والشفافية مع النفس والتي قد تمنحها البصيرة لرؤية الحقائق بكل تجلياتها.