ما يزال سؤال الثورات العربية التي ما تزال أوار نيرانها مشتعلةً، يطرح الكثير من التحليل ومحاولة فهم ما جرى ولماذا جرى، ولأي شيء جرى بهذا الشكل الذي لم يكن مسبوقا من قبل، على الأقل في الحالة العربية، وما المعنى من كل هذا الهياج السياسي الذي أشغل العالم، وجعل العالم كله يعود مرة أخرى ليتكلم "عربي" كما هو الشعار في الستينات والسبعينات الميلادية أيام المد القومي؟ الحالة العربية الآن مختلفة، وموازين القوى أصبحت شعبية، فالقاعدة الشعبية، وليست الحزبية، هي المحرك الأول لمن أراد الوصول إلى سدة الحكم، ومن هنا على كل من يحاول الوصول إلى مراكز عليا أن يكون مشروعه متوجها إلى الشعب بحيث يقنع الناس بوصوله، وإلا فإن الخسارة الفادحة سوف تكون من نصيبه أمام مشاريع ربما تكون أقل، لكن جلها تصب في خانة الشعب. الشعب هو الحكم الأخير في اللعبة الديموقراطية. قد يكون هناك الكثير من الشوائب في العملية الديموقراطية، لكنها شوائب لن تطول مع تطور وعي المجتمع أكثر وأكثر، والثورات العربية بدأت تفتح هذا الوعي على مصراعيه، أو هي من جهة أخرى نتيجة الوعي الشعبي الذي أراد أن يقول قولته في الفصل الأخير.

في الحالة العربية كان الكثير من المتنفذين يطرحون أنفسهم بوصفهم الأوصياء على الشعب في اتخاذ مصيره، فالمتنفذون من أي اتجاه أو حزب أو سلطة هم من يقرر خيارات الشعب دون أن يكون أحد قادراً على أن يرفض حتى مجرد الرفض لاستخدام اسمه بوصفه مواطناً، من أجل تحقيق مصالح معينة لفئات حزبية أو تيارات معينة داخل السلطة. هذه الحالة تغيرت (ربما) إلى سلطة الشعب. أقول (ربما) لأني لست واثقاً من أن الخيارات الشعبية سوف تسير في الاتجاه الصحيح لأن بالإمكانية الالتفاف على خيارات الشعب من أجل مكاسب أخرى، لكن هذا (ربما) لن يطول في مدى وعي الشعب لاستخدام سلطته إذ يمكن له الرفض هذه المرة. وأقول (ربما) مرة أخرى لكي لا ننزلق في وثوقية الأحكام وإطلاقها دون اعتبارات أخرى قد تكون فوق خيارات الشعب كالمتغيرات السياسية المحيطة، والتدخلات الخارجية التي تلعب لعبتها في استخدام ما يمكن استخدامه في مثل هذه الظروف، وعلى ذلك فمن المهم حالياً، ومن قبل كافة أفراد الشعب ولجانه، العمل على إصدار الدساتير الديموقراطية الجديدة التي تكفل للجميع حق الانتخاب والتصويت والترشيح وسد الباب على الكثير من المتسلقين ورفض أي تدخلات أجنبية.

السؤال الذي يتردد صداه في أذهان الشعوب هو المعنى من الثورة ومآلاتها ..! الثورة في حد ذاتها لا تعني شيئا إذا لم تفضِ إلى خيارات أفضل لدى الشعب. الثورة العربية أيام الستينات والسبعينات قادت المجتمعات العربية إلى مزيد من التردي، والحكم عليها هنا ناتج عن حكمنا للناتج السياسي والاجتماعي المتردي، ولذلك كانت الثورات العربية الحالية نتيجة سخط المجتمع من حالات التردي السائر بالمجتمع إلى الهاوية.

في الجانب الغربي، والذي أعطانا المفهوم الجديد للدولة الحديثة، كانت الثورتان الفرنسية والأميركية هما الثورتان الأنجح، وذلك ناتج عن النتائج التي أفضت إليها هاتان الثورتان رغم أن الثورتين كانتا دمويتين إذا ما قارناهما بالثورات العربية الحالية، والتي كانت ثورات سلمية لولا سفه الحكومات التي ثار الشعب المسالم ضدها، لكن العبرة ليست في الثورة ذاتها بقدر ما هي في نتائجها أو مآلاتها وهذا ما كان بالفعل في الثورتين الفرنسية والأمريكية حيث تأسس مفهوم جديد وديموقراطي للدولة الحديثة وعليهما سارت أكثرية دول العالم بحيث أصبحتا نموذجين في بناء الدولة، فالديموقراطية صناعة غربية بامتياز، وهي أكثر أشكال الحكم مرونة وحداثة حتى الآن في العالم كله.

إذن.. فالمحك الحقيقي ليس في الثورة ذاتها بقدر ما هو فيما بعد الثورة، وما يمكن تحقيقه على أرض الواقع بعد أن تنظف الشوارع آثار ثورتها لتعيد بناء الدولة، وإعادة البناء دائما أصعب بكثير من هدمه، وربما يحتاج إلى سنوات ليقوم البناء على أساسات متينة سواء كان بناء عمرانياً أو بناء إنسانياً والأهم هو بناء الإنسان قبل العمران.

إن المسألة الأساسية في الثورة ليست في إزاحة أشخاص عن أماكن السلطة بقدر ما أن المسألة الحقيقية هي سؤال ما بعد هذه الإزاحة. الإزاحة ليست إلا الخطوة الأولى، فإذا لم تتبعها الخطوات التالية ذات المدى البعيد، فسوف يكون البناء متهالكاً، بل وربما أسوأ مما قبل مسألة الإزاحة. إن مسألة الثورة شبيهة بفتح بوابة بناء كبير وضخم فيه كل ما فيه من مقتنيات قديمة وحديثة، إذا لم يكن هناك من الترتيب المنظم لها، فلربما يتحول فتح الباب إلى فوضى عارمة. ومعنى الثورة يكمن في مثل هذه الخطوات اللاحقة على الخطوة الأولى في الثورات، أي فيما تحققه من نتائج، ولذلك فحينما تقوم ثورة عربية هنا وهناك فمعنى ذلك أنها الخطوة الأولى نحو الإصلاح والديموقراطية وسلطة الشعب. معنى ذلك أن الشعوب قد وعت مصيرها بنفسها. معنى ذلك أن السلطة عادت إلى ملاكها الحقيقيين وهم أفراد المجتمع. المعنى من الثورة هو في الوعي الشعبي الذي تأسس ويتأسس كل مرة في صناعة مستقبل أفضل. أما إذا كانت النتائج عكس ذلك أو لم تذهب في طريقها الصحيح فلا معنى للثورة غير معنى الفوضى التي يتأسس في غياب سلطة الشعب، وبروز سلطة قطاع الطرق حتى من فئة الياقات البيضاء أو الطبقات الأرستقراطية الذين دائما ما يظهرون في غياب سلطة رادعة لهم، ولا أقوى سلطة رادعة من سلطة الشعب، فإذا غابت فإن الفوضى هي التي سوف تعم، وهنا القيمة الحقيقية في معنى الثورات، وهي أنها تؤسس لذهنية الواقع المرفوض والمستقبل الأفضل.