مازالت شخصية كليوباترة تحرك التاريخ، مرة تحت قانون أنف كليوباترة، بأن سر التاريخ ملغم ملغز، ومرة عن نهايتها المأساوية والتشكيك فيها، فمن زعم أنها ماتت بلدغة الأفعى قام علماء الحيوانات والأفاعي فدرسوا الموضوع وقالوا مستبعد من عدة جهات، بل جاءت سيدة مختصة بالتحريات الخاصة من أمريكا وتنقلت بين إيطاليا ومصر والعلماء وأسواق الإسكندرية ودراسة خريطة قصر كليوباترة لتخلص بنفس النتيجة، أن كليوباترة لم تقتل بسم أفعى الصل بل ماتت بطريقة مختلفة، وهي مدفونة في مكان سري في مصر، تزعم عالمة الآثار كاتلين مارتينيس (Kathleen Martinez) من الدومينيكان أنها اهتدت للمكان بعد أن عثرت على 22 قطعة معدنية في مقبرة منقوشا عليها أنف كليوباترة المشهور المقدوني، ولسوف تضرب ضربتها مثل هوارد كارتر الذي اكتشف مقبرة توت عنخ آمون، ولسوف تكتشف مقبرة كليوباترة وهي تحفر الآن في المكان الصحيح في منطقة معبد أوزير يس على بعد خمسين كم من الإسكندرية.
ويقول الطبيب ديتريش ميبس (Dietrich Mebs) من فرانكفورت إن الموت تم ربما بحقن عقار شديد السمية بإبر الشعر في الأوردة مباشرة.
ولكن أين ذهبت الجثة أو المومياء؟ فليس من المعقول أن تختفي آخر فرعونة هامة تحدت روما بهذه الطريقة البسيطة؟
والحديث عن كليوباترة لا ينتهي في كلمات فقد مثلت قوة المرأة الحديدية وطموحاتها لحكم العالم ولكن عن طريق الحب والزواج؟ أو هكذا يقول المؤرخون. فضلا عن كتابتها في علم التجميل والتوليد، وإتقانها تسع لغات مع ثقافة رفيعة المستوى.
بدأت قصتها من عائلة بطليموس الثاني عشر وفي جو لا يوصف بالصحي بل عصر استثنائي من الانحلال لحكم هذه العائلة المكدونية من مخلفات عصر الإسكندر الذين اندمجوا في الثقافة الفرعونية وتحولوا إلى فراعنة فعليين. ويصف المؤرخ كريستوف شيفر (Christoph Schaefer) حالة الحكم بأنها قامت على البذخ والمجون وغشيان المحارم والمؤامرات والاغتيالات.
قتل أبوها أختها الكبرى وهي تخلصت من أخيها الأصغر ثم تمثلت فاتنة مغرية أمام يوليوس قيصر المغرم بالنساء فذاب في أحضانها ورزقت منه غلاما سمته قيصرون وهو بدوره أخذها إلى روما وأهداها قصرا فخما وهناك باحت له بالأسرار عن مملكة في الشرق تحكم العالم عاصمتها الإسكندرية، ولكن عام 44 قبل الميلاد نقل خبر مصرع قيصر بالخناجر غيلة، فهربت إلى مصر وعلى شاطئ عجيب بسفينة من الأشرعة الحمراء وصواري الذهب تقدمت إلى مارك أنطوني الذي وقع في أسرها من جديد وعاشا في متعة غامرة وأيام عجيبة وقادته إلى نفس المصير ورزقت منه بثلاثة أطفال وعاش عندها ليبني لها مجدها الذي تطمح له.
لحقهم أوكتافيوس وفي معركة أكتيوم في سبتمبر عام 31 قبل الميلاد اصطدم الشرق بالغرب في معركة حاسمة بمئات السفن ومئات الآلاف من المقاتلين وعشرات الآلاف من الفرسان، ولكن النصر كان حليف روما، فهربت كليوباترة إلى قصرها المحكم الإغلاق بأسرار ميكانيكية، وانتحر مارك أنطوني فنقل إلى حجرها يشخب دما، وبعد تسعة أيام انتحرت كليوباترة ونقل جثمانها وحنط مع مارك أنتوني في مكان مجهول.
ثم روج المؤرخون الرومان وزورا التاريخ إلى حين كشف الحقيقة بعد عشرين قرنا على يد علماء التشريح الجنائي، فقد حققوا في إمكانية لدغة أفعى الصل فاستبعدوه، والجهود حاليا تدور حول البحث عن مكان مومياء كليوباترة المختبئة في خفايا الزمن وأحجار مصر العجيبة. لقد كتبت ستاسي شيف (Stacy Schiff) الحائزة على جائزة بوليتزر الرواية من جديد حول موت كليوباترة بعنوان حياة كليوباترة (Cleopatra.A Life)، وحاليا يقوم المخرج جيمس كاميرون (James Cameron) الذي أخرج الأفلام المشهورة التيتانيك (Titanic) والأفتار (Avatar) بالتهيئة لإخراج فيلم جديد عن كليوباترة ستمثله الممثلة المشهورة انجلينا جولي (Angelina Jolie) بعد أن مثلته من قبل ليز تايلور..
لقد روج أوكتافيوس ومن معه من مؤرخي السلطة (كاسيوس ديو ـ فيرجيل ـ شيشرون ـ بلوتارك ـ بلينيوس ـ هوراس) للحط من قدر كليوباترة بأنها داعرة وعاهرة ومومس جنس، وأنها ختمت حياتها وانتحرت بنهاية من سم الثعابين، كل ذلك لدفع سمعة كليوباترة إلى قاع النسيان، فما الذي وصل إليه؟
ما وصل إليه كان العكس... كليوباترة نجم يلمع عبر التاريخ وأوكتافيوس الذي نصب نفسه محل الآلهة انطفأ نجمه ومحي رسمه وغاب ذكره في عباب التاريخ الأبدي..
(هل تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزا)