مات يرحمه الله بذبحة صدرية على مشارف السابعة والستين من العمر. وكان على أبواب شهر جديد ليقرأ في نهايته اسمه للمرة العاشرة على التوالي ضمن أغنى 50 ثرياً على وجه الأرض. وكل القصة في التفاصيل: مات وهو يتابع مشروعه الاستثماري الضخم على بعد 50 ميلاً من أقرب – حبة – علاج يضعها تحت اللسان كي تساهم، مثلما يقول الأطباء، في ذبح وطأة الذبحة الصدرية. وحبة (الحلم) العلاجية هذه لا تساوي سوى دولار واحد وحيد وهو الذي كان يستطيع أن يشتري منها 20 مليار حبة. هكذا قالت مجلة – فوربس – عن ثروته. والقصة في القضاء والقدر وفي نواميس الله عز وجل في علاه، لأن الحياة والموت لا يخضعان لمقاييس الثراء والفقر، ولم يثبت العلم ولا حركة الاكتشاف الهائلة أن بقدرة الإنسان أن يشتري يوماً إضافياً لم يكتب له. وفي مقهى – باريسي – دعاني أحد أثرى أثرياء العرب لوجبة عشاء وكان أمامي يأكل – المسلوق – ويقتات فقط على الخضار الجاف ويعيش بأمر الأطباء على نظام صحي صارم. وأكثر من هذا كان يفاوضني مازحاً على شراء – سعادتي – بما شئت وهو الذي يبلع حبة – البروزاك – لعلاج اكتئابه حين ينام وبعيد أن يستيقظ. ولم أقل له بالطبع إن السعادة مثل لحظة الموت لا يمكن شراؤها، لأن الله عز وجل قد تركها من أمور الغيبيات التي تبقى خارج – ذراع – الإنسان وأرصدته الحسابية. ومثلما رحل ثري على رأس قوائم الأثرياء قبيل السبعين، يكاد – بلدياتي – الآخر يرحل على مشارف التسعين وهنا المفارقة أن يكسب الفقير المعدم عشرين عاماً إضافية فوق عمر الثري الغني. هي تلك التفاصيل التي نادراً ما يلتفت إليها أحد. كلنا نولد بالتقريب متساوين في الحجم والكثافة وحتى في صرخة ولادة الحياة، وكلنا نتساوى تماماً حين نموت في قياسات الكفن والقبر. وكل الفوارق التي يصفها الإنسان تكمن في الرحلة ما بين المرحلتين: بعضنا يتضخم ويتباهى ويكبر في كل مساحات الأرض وبعضنا يظل في مسافة قريبة من حجمه الصغير ما بين صرخة الحياة وشهقة الموت الأخيرة مع آخر نفس. والعبرة أننا نعيش متن الحياة ونحن نفكر ماذا سنترك للوليد القادم من صلبنا يوم صرخة الولادة دون أن نفكر ماذا سنترك لأنفسنا عند شهقة الموت. هو الإنسان بالضبط: يكتب ميلاد حياته وتاريخه في حياته على ألف ورقة، لأن إنساناً واحداً قط في كل تاريخ الإنسان لم يكتب بيديه تاريخ وفاته.