عُقدت إحدى أهم جلسات البرنامج الثقافي لمهرجان الجنادرية يوم الأحد الماضي (17 أبريل 2011)، عن "العلاقات الدولية والسياسة الخارجية للمملكة"، وألقى الورقة الرئيسية فيها الأمير الدكتور تركي بن محمد بن سعود الكبير، وكيل وزارة الخارجية للعلاقات المتعددة الأطراف. وألقى عدد من الباحثين الضوء على جوانب مختلفة من هذا المسار، تعليقاً على هذه الورقة الرئيسية. إذ تحدث الدكتور محمد الحلوة، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى سابقاً، عن المعطيات أو الإمكانات التي تتمتع بها المملكة والتحديات التي تواجه سياستها الخارجية للقيام بالدور الذي يتلاءم مع تلك المعطيات. وقدم الدكتور محمد المسفر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر، قراءة نقدية للسياسة الخارجية للمملكة، في حين تحدث الدكتور صالح الخثلان، نائب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، عن تأثيرات المتغيرات الدولية على السياسة الخارجية للمملكة.

وقد كان تجاوب الحضور مع هذه الجلسة، وغالبيتهم من خارج المملكة، كبيراً، واضطر المنظمون إلى تخصيص ساعة إضافية لهذه الجلسة لتلبية رغبات الحضور في المشاركة، واستمرت المطالبات بالمشاركة حتى بعد انقضاء ثلاث ساعات على بدء الندوة. ولعل الأمير تركي استطاع أن يقنع الحضور بالإنجازات والنجاحات التي أحرزتها السياسة الخارجية للمملكة خلال العقود الماضية، إذ استعرض الإمكانات الكبيرة للمملكة (المكانة الروحية للمملكة في العالم الإسلامي، الدور المؤثر لخادم الحرمين في المسرح الدولي، الاقتصاد، خاصة النفط، والموارد البشرية). ثم تحدث عن التحديات التي واجهتها المملكة، خاصة الحاجة إلى توفير القدرات المالية والإدراية اللازمة للتنمية، خاصة تنمية الموارد البشرية في بلد تتجاوز فيه نسبة الشباب نصف السكان، فضلاً عن أنه بدأ من نقطة الصفر في التعليم. والتحدي الاقتصادي الآخر هو المسؤولية التي أخذتها على عاتقها لتحقيق توازن أسواق النفط بحيث لا تنهار أسواق النفط بانخفاض أسعاره، ولا يحدث كساد اقتصادي عالمي بسبب ارتفاع الأسعار.

ثم استعرض الأمير تركي أهم القضايا الإقليمية والدولية وسعى ليبرهن أن السياسة الخارجية للمملكة كانت مؤثرة وفاعلة في معالجتها، وذكر على وجه الخصوص القضية الفلسطينية ودور مبادرة خادم الحرمين التي أصبحت فيما بعد المبادرة العربية، وجهود المملكة لتحقيق الاستقرار والتنمية في اليمن ولبنان، وجهود المملكة لاحتواء الملف النووي الإيراني، مع إقرار الحق لإيران في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وجهودها في مكافحة الإرهاب.

وقد اتفق المتحدثون الآخرون على الطاقات أو الإمكانات الكبيرة لدى المملكة وعلى النجاحات التي حققتها في السياسة الخارجية. ولكن هذه الإمكانات، والتحديات التي واجهتها وتواجهها المنطقة، قد أتاحت، في رأي المعلقين، فرصاً كثيرة للسياسة الخارجية للمملكة لتلعب دوراً محورياً، أكثر مما هو تتحقق. وأجمعوا على أن المملكة كان من الممكن أن تلعب دوراً أكثر فاعلية.

أما مداخلات الحضور فقد توالت ملحة، تطلب إلى المملكة أن تلعب دوراً أكبر على المستوى الدولي، وعلى المستوى الإقليمي خاصة، فكانت مداخلات من لبنان والعراق ومصر وماليزيا وباكستان وبريطانيا وغيرها، تحث المملكة على أن تعزز دورها في مواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة، ومحاولات بعض دول الجوار الاستفادة منها على حساب مصالح المنطقة. وخص الحضور إيران التي رأى معظم المشاركين أن دورها قد أسهم في زعزعة الاستقرار والتأجيج الطائفي والسياسي.

ومن الواضح أن مبادرات خادم الحرمين الشريفين لحل قضايا المنطقة قد رفعت سقف التوقعات لدى الكثيرين في المنطقة وخارجها، وذلك بالإضافة إلى ما ذكرته من إمكانات للمملكة تعاظمت بعد الأزمة المالية العالمية على وجه الخصوص، سواء بالنسبة لدورها في تحقيق التوازن المالي العالمي، أو في استقرار أسواق النفط، فضلاً عن كونها إحدى أهم الدول التي تتمتع بفوائض كبيرة وإمكانات للاستثمار في وقت انحسرت فيه قدرة الدول الصناعية على الاستثمار.

ومع موافقة الجميع على أن التحديات التي تواجهها المنطقة لا يمكن لدولة واحدة أن تواجهها، إلا أن ذلك لم يمنع الحضور من حثّ صانعي السياسة الخارجية في المملكة على بذل جهود أكبر لمعالجة القضايا الإقليمية وأهمها في رأي المداخلين:

- القضية الفلسطينية، بما في ذلك رفع الحصار عن غزة، وتجديد الجهود لتحقيق المصالحة الفلسطينية.

- استقرار لبنان في مواجهة التأجيج الطائفي والسياسي الذي تقف وراءه إيران.

- تحقيق الأمن والاستقرار في العراق وإنهاء حالة التجاذب الطائفي والسياسي، واستعادة العراق لدوره العربي.

- مواجهة النزعات الطائفية والمذهبية والدينية، والتأكيد على الوحدة الوطنية دون فرق بين المواطنين بسبب اختلاف أديانهم أو طوائفهم أو مذاهبهم أو مشاربهم السياسية.

- وضع استراتيجية متكاملة لمواجهة ما وصفه بعض المشاركين بالزلزال أو tsunami الذي تمر به المنطقة العربية.

وعلى النقطة الأخيرة، كان هناك إجماع من المتحدثين والحضور على دعم المطالب بالإصلاح والتطوير، ونبذ العنف والتأجيج الطائفي والاستقطاب السياسي.

وربما لم تشهد العاصمة السعودية مناقشة صريحة وشفافة للسياسة الخارجية للمملكة مثل هذه المناسبة، وهي فرصة سنحت كذلك لسبر غور المحبة والتقدير اللذين يكنهما العرب والمسلمون لهذه البلاد، وإيمانهم بقدرتها على قيادة العالمين العربي والإسلامي، وكان العتب على قدر المحبة.