من يتابع أنواع وأساليب الخطاب المتبادل بين بعض الأطياف في مجتمعنا، سوف يجد نفسه أمام فاجعة من عيار ثقيل. فالمضمون متنافر، لا يحمل رؤية جامعة.. والمتخاصمون فيه يجرون أنفسهم إلى طريق طويل لا نهاية له من كثرة إنشغالهم فيما يزيد الاختلاف. لو نظرت إليهم على جانبي الطريق، لوجدتهم يتشاتمون في جبهة واحدة. فهذه مجموعة تحمل لوحة مكتوبا فيها (معنا أو ضدنا).. ومجموعة ثانية ترفع شعار (لا للتوافق) ومجموعة أخرى تصيح بأعلى صوتها وتهدد (يا خائنين) فيردون عليها بـ (يا ظلاميين).

بعد أن فرحت بلادنا ولم يحدث فيها ما يكدر أمننا، كان من المؤمل أن تجتمع أطياف المجتمع فتعيش الفرحة وتتوجها بتكاتف الأيدي لبلورة خطاب مستنير لمشروع المستقبل. على العكس من ذلك، برز خطاب غريب فاق جرأة الخطاب القديم حيث قفز على جميع حالات الخصام والخلاف إلى مرحلة الاستعداء والإقصاء. وعبر فيه باستفزاز لافت أثار فينا الخوف على المستقبل إذ ظهر وكأنه يريد أن يقول (أنا الذي حميت الوطن.. كافئوني وأبعدوا غيري). وفي نفس الوقت تجاهل هذا الخطاب طبيعة الأشياء التي تؤكد أن بناء المستقبل لا يقوم على الكراهية.. بل على الرفق والمحبة.

هل نحن انتهازيون، نتربص بمن يختلف معنا فنلون مواقفهم ونفسرها (على كيفنا) لكي نستعدي عليهم طرفاً آخر؟ لا أريد تحميل طرف ما بالمسؤولية وأبرئ طرفاً آخر، فمنذ سنوات بعيدة عندما يدب الخلاف بين الشعراء والأدباء وكتاب الأعمدة الرياضية، تمتلئ لغة الخطاب بقائمة متعددة من الاستفزازات المتبادلة فيما بينهم. وكان أبرز ما يعيب خطاب تلك المرحلة تركيزه على شخصنة المحتوى. أما خطورة الخطاب الحالي بعد توسعه ليشمل العامل الديني، فتتمثل في أدلجة المضمون والمقصد، فأصبح المشتغل فيه يقحم الدين والوطن ويطوعهما كما يريد ليستعين بهما ضد المختلفين! فإن لم يعجبه رأي، رمى صاحبه بتهمة الكفر والخيانة للوطن.

لا أحد يريد الفتنة ولكن هناك من لا يدرك أن أسلوبه الاستفزازي يؤدي إلى التنافر والتباغض بين بقية الأطياف. ويؤدي على قلة وعي منه إلى ردود أفعال تؤجج الكراهية وتزيد حمأة العداء. ترى ألا يحق لكل متابع أن يرفع صوته ويسأل: أين هم عقلاء القوم؟ ذلك أننا لو تركنا حالات التربص والاستعداء والكراهية تتنامى وتتفاعل في هذا الخطاب فإنها ستؤدي إلى سدل الستار على مشروع الحوار الذي انشغل به الوطن لترسيخ التعددية والقبول واحترام الرأي.