عندما كان قُطْر الطبق الفضائي مترين، وكان "الدش" لا يمنحنا سوى 22 قناة، لم نكن نسمع عن الطائفية الفضائية، بل لم نكن نعرف الطائفية، ولم نكن نسأل عن مذهب هذه القناة أو تلك، لأن التلفزيون كان وسيلة معرفة وترفيه، ولم يكن وسيلة تبشير، أو نشر مذاهب.
وحين صارت أطباقنا الفضائية بحجم صحن "الكبسة"، تكاثرت القنوات الفضائية العربية العاربة، والعربية المستعربة، حتى صار التعرف على القنوات مهمة شاقة، فضلا عن معرفة توجهاتها وأهدافها و "مذاهبها".
ومنذ استطاعت إيران التغلغل في المشهد العراقي، وإشعال جذوة الطائفية ـ التي كادت تنطفئ، لولا أن قيض الله لها إيران ـ داهمَنا الفضاءُ بعشرات القنوات الموجّهة التي لا تخدم المذهبَ أو أتباعَه، وإنما تخدم السياسيَّ الذي يمتطي المذهب، سائراً في طريقه نحو تحقيق الهيمنة، وتصدير الثّورة.
في زمن "الدش" أبو 22 قناة، لم نكن نشاهد شيخاً يشتم أم المؤمنين عائشة، ويصفُها بأبشع الصفات، كما لم نكن نشاهد على الطرف المقابل، آخر يكفّر بعضَنا ممن هم منّا، ونحن منهم، وهم شركاؤنا في الوطن والمصير.
لم يكن تصنيف القنوات الفضائية همنا، فلم نعرف ـ في البدءِ الأول ـ قناةً طائفية غير قناة المنار، التي كانت تتمذهب على استحياء، ولم تكن متطرفة بالقدر الذي يخدش الشعور، ويفقد الأعصاب قدرتها على الهدوء.
الآن، يشعرُ المشاهد بالضيق الذي لا فرج بعده، وهو يشاهد تكريساً موجّهاً للطائفية، حتى كأنّ الأمة قد صارت نصفين، ولم تك كذلك من قبل، برغم اختلاف المذاهب، إلا أن الإمعان في استخدام الفضاء من أجل خدمة الطامعين على الأرض، قد حوّل "الأقمار" إلى ميدان رحب للصراع الذي يوشك أن ينزل إلى الأرض.
ليس عليك سوى أن تتجول مسترخيا بين القنوات، لترى التطاحن بين شاتم للصحابة، ومكفّر للأهل، والإخوة في الوطن.
أيعقلُ هذا؟ والراسخون في الوعي يدركون أن هذا كله، إنما كان بفعل فاعل، ولم يكن نتيجة عفوية للانفتاح الإعلامي، أو الانفجار الفضائي.
نعم، هناك من يذكي الفُرقة على قاعدة مذهبية، وليس لنا خلاص إلا أن نعي كيف تستخدم السياسة كل الوسائل من أجل أحلام لن تكون بإذن الله.