ثار على الفساد...، صرخ...، كتب...، صرح بما لم يستطع أن يصرح به أحد في ظل عنفوان السلطة...، قدم استقالته وهو على منصة القضاء لأنه القاضي الشريف الذي لا يقبل بالظلم ولا الفساد...، أقيل من المناصب التي تقلدها بإرادة الناس...، ومنها عضوية مجلس الشعب، ليحرم من دورة برلمانية كاملة رغم حكم القضاء المصري بأحقيته في هذه العضوية، ذلك الحكم الذي أهدره البرلمان نفسه بحجة أنه سيد قراره...!. سجن ظلماً...، وزورت إرادة الناخبين في الانتخابات الأخيرة حتى يسكتوا صوته ولكنه أبداً لم يصمت!.

ثقافة القمع والاضطهاد والإقصاء والحبس لم تخرسه، ولم تقصف قلمه، فألف كتاباً من أهم الكتب التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة، كتاب "ضد الفساد"، الذي كشف فيه بالأدلة والمستندات عدداً من قضايا الفساد والمسؤولين عنه...، باختصار شديد: كان رجلاً بحجم ثورة...، أو هو ثورة تجسدت في رجل!.

في الثورة المصرية المسماة بـ"ثورة 25 يناير" رفض أن يكون محامياً عن عدد من الشخصيات الكبرى المتهمة في قضايا شتى، فكانت المفاجأة الأكبر: مرتضى منصور في السجن احتياطياً بدعوى أو بزعم أو بـ"نكتة" التحريض على قتل المتظاهرين في ميدان التحرير!.

كيف تحول النموذج المضيء إلى متهم بمساندة الفساد وهو الذي منذ عقود وحتى أيام قليلة قبل الثورة يفضح الفساد والمفسدين والمتسترين عليهم؟!. من يصدق أن الثورة المصرية التي وصفت بـ"الثورة البيضاء" تتحول فجأة إلى ثورة على الشرفاء؟!. صحيح قد تكون الثورة بريئة من هذا الفعل القبيح، وأن من رفض الدفاع عنهم هم الذين زجوا به ليرافقهم في سجنهم حقداً عليه وانتقاماً منه، ولكن كيف تسمح ثورة بيضاء بتصفية حسابات على هذا النحو من الضلال ليتساوى القاتل والقتيل؟!.

قلت من قبل: إن أخشى ما أخشاه أن تسود ثقافة الانتقام والحقد وتصفية الحسابات في المجتمع المصري بعد ثورته فتتعدد الضحايا البريئة وتصبح الثورة بحاجة إلى ثورة تصحيح...، ثورة لا ترضى بالظلم طالما أنها كانت لمحاربته...، ثورة تضع النقاط على الحروف وتعطي لكل ذي حق حقه، وإلا فالاتهامات المجانية يمكنها أن تطال أي إنسان، وإلى أن ينصفه القضاء يكون قد أمضى من الزمن النفسي – وهو الأهم – ما هو كفيل بالقضاء عليه، وهذا ما لا يرضاه شريف، مع الثورة كان أو ضدها!.

أقول أخيراً: إذا أرادت الثورة المصرية أن تفتخر بما حققته، فلتكن ثورة بيضاء حتى النهاية، ولا تترك مجالاً للأحقاد وتصفية الحسابات، ولتعلم جيداً أنه من العيب أن يقال إن مرتضى منصور خلف قضبان الثورة!.