هل نستطيع قبول شبابنا كما هم فقط وليس كما (نحن) عليه؟ لماذا كل جيلٍ يريد استنساخاً للجيل الذي يليه؟ هل أظهرنا تقديراً لهم ولجهودهم وتجاربهم كما هي عليه حتى لو لم نكن راضين عنها؟ هل حاولنا الإنصات لهم أو احتواءهم؟ هل أشركناهم في صنع القرار وتنمية الوطن؟ أم أنه صراع الأجيال وأسئلة تستجدي (نعم) فقط للإجابة عليها.

سأبدأ من نواة ذلك، فمجتمعنا وكثيرٌ من الآباء يريدون أن يتصرف أبناؤهم كما يتصرفون (هم) ولا يقبلون بما يكون أبناؤهم عليه، وكأنهم يحرمونهم استقلالية الشخصية وبناء الذات، وهذه مشكلة تربوية اجتماعية مزمنة، تستدعي خلع رداء الأبوة والوصاية الذي مازال البعض يرتديه رعباً لأبنائه معتقداً أن التربية تكون بالسيطرة، وهي حقيقة ليست إلا امتداداً للقمع الذي تعيشه الأجيال ومفاهيم (هذا ماوجدنا عليه آباؤنا) وحجج (العيب) وثقافته، وأسـاطير قوة الشخصية والهيبة، ومقارنات اجتماعية غير عادلة تؤدي إلى التقليل من قدرة شبابنا، وزرع المرارة في أنفسهم وإحساسهم بالعجز، وتحميلهم ما لا يطيقون، فضلا عن قتل روح الطموح لديهم.

يتواءم طرحي هنا مع خطاب أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل الأخير لشباب المنطقة وإرهاصات تجربته الاستثنائية مع الشباب عندما تبنى أربعة مشاريع تهتم بهم، بدءاً من مشروع القيادات الشابة لبناء قيادات قادرة على العطاء والإبداع في القطاعين العام والخاص ودعم مجالات التنمية والتطوير والتقدم للمنطقة، وإطلاق جمعية شباب مكة للعمل التطوعي الخيري كخطوة أولى تقام فيها جمعيات ومؤسسات تدار من قبل الشباب فقط!، وإنشاء لجنة تضم عدداً من الشباب داخل مجلس المنطقة لمتابعة المشاريع والأجهزة الحكومية، بالإضافة إلى عقد (لقاء القادة) الذي شارك فيه أكثر من 100 شاب وشابة لصنع القرار ووضع الخطة العشرية لاستراتيجية منطقة مكة المكرمة للاستفادة من أفكارهم واتجاهاتهم للنهضة بالمنطقة، وكذلك إطلاق ملتقى شباب منطقة مكة "يداً بيد لبناء الإنسان" كتظاهرة شبابية متنوعة اجتماعياً وثقافياً ورياضياً للاستفادة من إمكاناتهم ومنحهم الفرصة لإبراز مواهبهم وزيادة التواصل بينهم، وأخيرا وليس آخراً تخصيص جلسة شهرية تعقد بين الفيصل والشباب للاستماع إلى قضاياهم واحتياجاتهم والمستجدات في عالمهم بكل شفافية ووضوح، مخاطباً إياهم: "نحن أمام مرحلة تاريخية، وسيكون لكم القرار والمشاركة في المرحلة المقبلة، فمنطقتكم ووطنكم بين أيديكم ماذا ستفعلون؟" وهذا الاستدراك القيادي التربوي التكاملي يحمل معاني ورسائل مستقبلية تنموية تحتاجها أهم فئة في مجتمعنا.

الشباب هم الثروات الحقيقية للأوطان وأهمية الاهتمام بهم تنبع من قدرة هذه الشريحة على العطاء والإنتاجية، كما أن الفشل في إشباع احتياجاتهم واتجاهاتهم يؤثر سلباً عليهم وعلى المجتمع ككل لأنهم أكثر فئة في المجتمع عرضة للضغوط واستجابة للصراعات والتوتر الاجتماعي، وشبابنا متى ما منحوا فرصة بدءاً من المنزل والمدرسة والجامعة والمجتمع ومسؤوليه ووزرائه وقيادته، وذلك بالاحتواء والنظر في احتياجاتهم ومتطلباتهم، والأخذ بأيديهم ومنحهم الثقة الكاملة وتشجيعهم على السير نحو الطريق الصحيح، وإعطائهم الفرصة لإثبات الذات بدحض ما يثار من وصمهم بأنهم مدللون واتكاليون إحباطاً لهم وتهاوناً بهم، فإن طاقاتهم الكامنة تبدأ في الظهور، وتنعكس على ترسيخ مفاهيم التنمية الاجتماعية والمواطنة الحقة، وما وجدناه في عدد كبير من أبنائنا عندما تم ابتعاثهم، حيث وجدوا الفرصة كاملة من التقدير والتربة الخصبة المناسبة في دول الابتعاث فتميزوا بقدراتهم وإبداعهم ليس على المستوى الأكاديمي فقط، بل على المستويات الاجتماعية والثقافية، حتى إن بوابة وزارة التعليم العالي والإعلام السعودي والأجنبي تسطر كل يوم خبرا مضيئاً عن هذه النماذج المشرفة.

بقي أن نطالب اليوم بمشروع في حجم الوطن والانتماء وفورة الشباب ومساحة تغشاها الآمال والتطلعات بنمذجة الفصل الأول من كتاب الفيصل لرسم خارطة عقول شبابنا في كل أطراف الخريطة وما بينها من جسد الوطن، ليشارك كل شباب وطني في كل مدينة وهجرة في الاهتمام والتنمية وصنع القرار بكل ثقة وتواشجية مع قيادات مناطقهم، فما أجمل أن يصبح في وطني فراشات جميلة حينما نطعم يرقاتها، وليس عندما نلصق أجنحة فوقها!