ما زلت أذكر جيداً، تلك المكالمة الهاتفية الدافئة في ذلك الخميس الربيعي، مكالمة لم تستغرق سوى دقائق معدودة، ولكنها بالنسبة لي تعني الكثير، ومازال صداها يسكن ذاكرتي وللأبد. تحدثنا في أشياء كثيرة، لكنها تركزت في مجملها حول الشباب السعودي، وكيفية احتضانه واحتوائه ودمجه في المجتمع ليكون عنصراً فاعلاً ومشاركاً حقيقياً في تنمية وتطوير وازدهار وطنه. لن أنسى عباراته الرائعة وتوجيهاته الحكيمة التي يُجيد إيصالها بكل حرفية وشفافية وصدق.

اليوم، تذكرت تلك المحادثة ـ وهل نسيتها أصلاً ـ وأنا أتابع فرحاً ومزهواً بتلك المبادرة الفريدة التي تتناقلها وسائل الإعلام بكل فخر وإعجاب وأمل، "ملتقى شباب مكة"، هذا التجمع الشبابي الرائع الذي كنا نبحث عنه منذ زمن بعيد، تجمع حقيقي ومثمر، وليس مجرد لقاء شكلي ترصده عدسات الكاميرات وتعرضه باقتضاب فضائية هنا أو تبثه على عجل إذاعة هناك. تلك التجمعات الشبابية التي نعرفها جيداً من قبل أن تبدأ نشاطاتها وفعالياتها وبرامجها، لأنها باختصار مكررة ومستنسخة وتقليدية ولا تحمل أهدافاً حقيقية، ولكن يبدو أن "ملتقى شباب مكة" سيُغير تلك النظرة النمطية التي نحملها جميعاً حول تلك التجمعات البشرية ــ أقصد الملتقيات والمؤتمرات ــ التي أصبحت للأسف الشديد أكثر من الهم على القلب. ولكن، ما الذي يجعل هذا الملتقى الشبابي المكي يختلف عن غيره من ذلك الطابور الطويل من الملتقيات والمؤتمرات، حتى يبعث كل هذا الإعجاب والأمل والثقة؟..

هناك ثلاثة أسباب موضوعية تجعل من هذا الملتقى مختلفاً ويحقق المؤمل منه، بل ويؤسس لثقافة مجتمعية غائبة أو مغيبة ـ لا فرق ـ عن فكر ومزاج المواطن السعودي، مهما كان هذا المواطن، إنها ثقافة التواصل الحقيقي مع الأجيال، لكي لا تتسع الهوة المخيفة بين مختلف الأجيال مما يؤثر في التركيبة الاجتماعية والفكرية والثقافية لشباب وشابات هذا الوطن، هذه الشريحة المهمة والكبيرة التي ينتظرها الدور الأكبر لتتحمل مسؤوليتها المستحقة في تنمية وازدهار هذا الوطن العزيز. السبب الأول لكل تلك الثقة في هذا الملتقى، هو الصعود الكبير والفجائي لصوت الشباب في أكثر من صعيد وفي أكثر من مكان، لدرجة أن العنوان البارز لهذه المرحلة المهمة من تاريخ العالم العربي هو "عصر الشباب العربي" من المحيط إلى الخليج. أما السبب الثاني، فهو أهمية ونوعية المجتمع الذي انطلق منه هذا الملتقى الرائع، حيث يمتاز المجتمع المكي ـ كما هو معلوم ـ وخاصة شبابه وشاباته بالجرأة والثقافة والثقة والاحتكاك بكل الثقافات والتجارب، وبما يمتلكه من قدرات وطاقات وإمكانات لا مثيل لها، سواء مادية أو بشرية، والإنجازات والإبداعات والمبادرات التي تأتي من هذه البقعة الطاهرة تتصدر المشهد الشبابي السعودي، هذه حقيقة لا يُنكرها أحد. السبب الثالث، والذي اعتبره الأهم، هو وجود شخصية استثنائية تتبنى هذا الملتقى، شخصية فريدة تمتلك من المعرفة والحكمة والتجربة والقيادة ما يجعلها تحظى بتقدير واحترام المجتمع العربي، فضلاً عن المجتمع السعودي، وأقصد بذلك الإنسان الرائع والرمز الكبير خالد الفيصل. أظن بأن هذه الأسباب الرئيسية ـ وغيرها بالطبع ـ كفيلة بنجاح هذا الملتقى.

"الشباب جزء فاعل ومؤثر في مجتمعهم، والمستقبل بهم ولهم، لأن قدراتهم وإمكانياتهم المختلفة ستساهم في صناعة المستقبل"، بهذه الرؤية الواعية والنظرة الثاقبة يُدشن هذا القيادي الكبير مرحلة جديدة من عمر هذه الأمة، المرحلة المهمة التي تعتمد على هذه الطاقات الفتية التي ابتعدت أو أبعدت عن مسرح التنمية الوطنية، وذلك لأسباب سقيمة يتعللها البعض كنقص الخبرة والتجربة وعدم القدرة على تحمل المسؤولية، أسباب واهية أثبتت المرحلة الراهنة عكسها تماماً، والنماذج العربية الشابة على امتداد الوطن العربي تؤكد بما لا يدعو للشك رغبتها القوية وقدرتها الحقيقية في تنمية مجتمعاتها.

إنه عصر الشباب، العالم بأسره يتفق على ذلك، ونحن لا نختلف عن باقي الشعوب والمجتمعات. نعم، لدينا خصوصيتنا الدينية والثقافية والاجتماعية، ولكن لا يُفترض أن تُعيقنا للمُضي نحو التحضر والتمدن والتقدم، والانتماء لنادي العالم الأول، هذا النادي الذي نستحق عضويته منذ عقود، لأننا نملك من الإمكانات والقدرات، سواء المادية أو البشرية ما لا يملكه غيرنا في كل العالم. ملتقى شباب مكة، مبادرة رائعة تُجمّل مشهدنا الوطني، وتعزز وحدتنا الوطنية، وهو تجربة رائدة وحقيقية لدفع الشباب للمشاركة الفاعلة في بناء وتطور وازدهار هذا الوطن الذي يُمثل الشباب فيه أكثر من 60%. وكم أتمنى أن يُعمم هذا الملتقى على الوطن، كل الوطن، لأنه خطوة واسعة وجريئة باتجاه الاعتماد والاعتراف والثقة بشبابنا وشاباتنا.

"ماذا يُريد شبابنا؟"، حينما سألتني هذا السؤال المربك في نهاية تلك المكالمة الرائعة، كنت تعرف الإجابة، أنا متأكد من ذلك، ولكنك تستمزج الآراء والأفكار والرؤى كما هي عادتك دائماً، هكذا أخبرني كل من يعرفك جيداً. حينها، ذكرت ما جادت به بديهتي المشدوهة بحضرة قامة كبيرة، كانت إجابتي مناسبة، أو هكذا أظن، ولكنها أبداً لن تكون مثل هذه الإجابة الرائعة المتمثلة في "ملتقى شباب مكة". خالد الفيصل، شكراً من الأعماق.