هل يعقل أن يضم موظف الخطوط السعودية صوته معك ويرجوك التبليغ عن تردي الخدمة ويعترف لك متذمراً: نحن نعمل بأقل من طاقتنا؟ ليس ذلك غريباً إذ لم تعد الإخفاقات والأخطاء أمراً يمكن السكوت عنه، فليس في وسع المسافرين تحمل التأخير المستمر للرحلات وليس في قدرة موظفيها تحمل المزيد من هضم حقوقهم. ترى هل كنا نحتاج إلى حادثة كبيرة مثل وفاة الطيار خالد مطر قبل شهرين ـ رحمه الله ـ بعد مدافعته عن حقوق زملائه المالية أمام مساعد المدير العام للعمليات، لتبين لنا أن هذه الإخفاقات هي نتيجة لقرارات خاطئة اتخذتها إدارة المؤسسة نفسها؟ لذلك من الطبيعي أن نبدأ من الآن البحث عن أسباب مرض هذه المؤسسة في الوضع الإداري والفني الذي تسبب في تردي الخدمات وتذمر معظم موظفيها.
إنه من الخطأ تحميل الموظفين الصغار أخطاء القرارات والتنظيمات التي أقرتها المؤسسة، فهؤلاء لا يمكنهم إلا أن ينفذوا تعليمات الإدارة العليا. وهناك أمثلة كثيرة تشهد على تعسفية هذه القرارات منها: برنامج التقاعد المبكر بالشيك الذهبي الذي تسبب في انخفاض عدد الموظفين وتدني جودة الخدمات. كذلك قصقصة المزايا التي يستحقها الطيارون على الطيران الليلي وتخفيض أجور ساعات الانتظار في المدن الخارجية وخفض الإجازة الشهرية من 6 أيام إلى 4 أيام. بالإضافة إلى شكوى المضيفين ومطالبتهم بالمساواة بالمضيفات في المكافأة! وبدون شك أن هذه القرارات لا تصدر إلا من مدير كبير، فهي ليست من اختصاص صغار المديرين ورؤساء الأقسام.
من المضحك أن تفسر الخطوط السعودية تأخير رحلاتها بتبريرين لا أرى فيهما أي منطق: الأول اتهامها لهيئة الأرصاد بعدم دقة نشراتها الجوية. وقد كفتنا هيئة الأرصاد مؤونة الرد حيث طالبتها في صحيفة الرياض (الأحد الماضي) بعدم التنصل من المسؤولية ودعتها مع جميع شركات النقل للتعامل مع معلومات الأرصاد لرفع كفاءة التشغيل. أما التبرير الثاني فهو أن التأخير شيء طبيعي في شركات الطيران وتقول إن هناك شركات عالمية سجلت معدلات تأخير عالية! طبعاً نسي موظف الخطوط الذي أعد التبرير أن التأخير لدينا مستمر ومتكرر في كل المواسم بينما يحدث في الخارج في موسم واحد نتيجة لأسباب طارئة كالاضطرابات العمالية وانهيار الاقتصاد.
لقد بُنيت الخطوط السعودية على أساس قوي منذ أكثر من خمسين عاماً مستفيدة من خبرة شركة طيران TWA الأميركية وحظيت بقيادات مبدعة انشغلت برفع كفاءة الموظف السعودي بالحوافز والتدريب، فكانت إلى عهد قريب تعد مدرسة في الإدارة والنظام وتعد بيت خبرة في التدريب، ولكن عندما أهملت ريادتها، وتركت موظفيها لتستقطبهم شركات القطاع الخاص، أصبحت فعلا كما وصفها أعضاء مجلس الشورى بـ "الرجل المريض".