حين نرى الشفق والليل والقمر إذا اتسق، حين نرى قوس قزح والوجه الجميل والصورة البديعة، حين نسمع الصوت الجميل وعزف أمواج البحر على حافة الأطلنطي كما رأيت جمالها في "حافة سيدي بوزيد" في المغرب، حين نرى تساقط ندف الثلج ورذاذ المطر والضباب في السحر، هل خلف كل الجمال الصدفة والضرورة أم خلفه فلسفة الكون الخلاق بيد الكبير المتعال؟

هذا هو محور الفصل الثالث من كتاب العلم في منظوره الجميل وهو يأخذ بيد القارئ إلى بوابات التقوى والخشوع.

والسؤال فلسفي ما هو الجمال وهل هو موضوعي أم ذاتي؟ ثقافي أم أصيل في كل ثقافة؟

يطالعنا البحث بنظرتين قديمة مادية وجديدة علمية، تأخذ إلى معارج التصوف والهدى ورؤية الكون بنظرة رحمانية.

كان كل من ديكارت وسبينوزا وغاليلو وفرويد وداروين يرون أن الجمال قضية تخص موقف من يتأمل الحدث، وأوصلها فرويد إلى المتعة الجنسية، ولكن العجيب الذي أتت به النظرة الجديدة للعالم أن الجمال يجتمع في نقطة واحدة بين العلم والفن، من موسيقى وشعر ورسم ونحت، جنبا إلى جنب مع معادلات الفيزياء دون الذرية، بل ذهب قول العديد من العلماء أن رأوا في الجمال مقياسا للحقيقة حتى في مستويات المادة ومعادلات الفيزياء الذرية والكونية؛ فإذا أشكلت الأمور وتلخبطت المعادلات فعلى راغب الحقيقة أن يودع مجال التطبيق إلى محراب الجمال، فهو من يرشد إلى الحقيقة ويهدي إلى سواء السبيل، وهو أمر قد يدعو للتناقض خلاف ما تعودنا سماعه وقراءته من العلاقة بين التجربة والعلم.

ولكن قبل كل شيء ما هو الجمال وهل له عناصر تشكِّله؟

ولعل أبلغ جواب هو ما قاله آينشتاين عن الجمال أن له ثلاثة عناصر رئيسة تلخص بعبارة واحدة أن" النظرية تكون أدعى إلى إثارة الإعجاب كلما كانت مقدماتها أبسط، والأشياء التي تربط بينها أشد اختلافا، وصلاحيتها للتطبيق أوسع نطاقا"..

ويقوم روبرت آغروس صاحب الكتاب (القصة الجدية للعلم The new story of Science) بنقل هذه التعبيرات في تعريف الجمال إلى (البساطة + التناسق + الروعة ) ويرى أن البساطة تستلزم عنصرين؛ الكمال والاقتصاد.

وهي تذكرنا بتعارف المناطقة عندنا بالشرط الجامع المانع، وهي بتعريف الفرنساوي هنري بوانكاريه (هناك موقف في مترو مونتريال يحمل اسم هذا العالم الجليل) أن البساطة هي ترجمة الحقائق الهائلة بكلمات بسيطة، كما عبر القرآن عن نفسه "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر".

والعنصر الثاني التناسق الذي نراه بوضوح في نظريات عظيمة مثل القانون الثالث في الميكانيك لنيوتن أن كل قوة في الكون لها ما يماثلها في القوة ويعاكسها في الاتجاه.

أما العنصر الثالث الروعة فهي تلك التي تلقي الضوء على الكثير من الأشياء الجديدة موحية بإجراء تجارب أخرى، كما فسر نيوتن ظاهرة سقوط الأجسام والمد والجزر وحركة المذنبات بما فيها مذنب هالي التي كان يراها الأوروبيون من قبل أنها من مظاهر غضب الله على العباد بسبب الخطايا، إلا أن نيوتن فسر كل ذلك وأكثر بثلاثة قوانين بسيطة.

وكذلك الحال في النسبية العامة كما يقول شاندراسيكار إنها جمعت بين أمور متباينة مثل مفاهيم المكان والزمان والحركة والمادة، بل لقد رأيت فيها أنا تقريبا لمفاهيم الخلود بقتل الزمن من خلال سرعة الضوء بالأجسام النورانية التي تدخل الجنة، أو الجنة عرضها السموات والأرض.

ومن أجمل أمثلة الجمال المترامي في الكون ندف الثلوج التي تنزل بالتريليونات على الأرض، فقد كرس العالم بنتلي (W.A.Bentley) نفسه لدراسة هذه الظاهرة ولمدة نصف قرن، ووضع في كتابه الموسوم (ندف الثلج Snow Crystals) ليكتشف أن كل أنواع الندف التي تملأ البسيطة في الشتاء هي سداسية. وقد عرض في كتابه ألفي شكل لها، أصبحت نموذجا للجماليات في صناعة الستائر والثريات والحلي والدانتيل الموشى.

ويقول في هذا بوانكاريه عما يفعله الباحث (العالِم لا يدرس الطبيعة، لأن في دراستها منفعة بل للمتعة فيها، وهو يجد في دراستها تلك المتعة المحببة الجميلة، ولو لم تكن الطبيعة جميلة لما كانت جديرة بالمعرفة، ولما كانت الحياة جديرة بأن تعاش).