اللغة العربية هي السبيل لحياة الأمة العربية، وتدهورها يعني أن الأمة تتخلف، وقد حفظ الله لنا هذه اللغة بالقرآن الكريم، لتظل خالدة مدى الحياة، ولكن الأمة أيضاً تتخلف!؛ إذ ليس باللغة وحدها تتقدم الأمم وترتقي!.

وإن كنا نتحدث عن اللغة العربية هنا، فإننا نعني فصيحها لا عاميتها، تلك العامية التي يظن البعض أن من شأنها إضعاف الفصحى، وهو ظن مصيب في اعتقادي، ولكن ليس إلى درجة القضاء عليها، لأن الفصحى كما قلنا باقية ببقاء القرآن الكريم.

العامية قدمت أدباً رفيعاً لا يمكن تجاوزه لمن أراد الإنصاف، تماماً كما قدمت الفصحى، ولا أظن أن ازدهار الأدب العامي يؤثر بالسلب على الأدب الفصيح، إلاّ إن كان الأخير عاجزاً عن مجاراة الأول، وهنا يكمن العيب في كاتب الفصحى لا في الفصحى ذاتها، ومن ثم تسقط كل دعاوى القضاء على العامية، بحجة أنها ستقضي على الفصحى!.

أدباء كبار كتبوا بالعامية من أمثال بيرم التونسي، وصلاح جاهين، وأحمد فؤاد نجم، وعبدالرحمن الأبنودي، وغيرهم من الشعراء والأدباء في مختلف ربوع الوطن العربي، وأدباء كبار كتبوا بالفصحى من أمثال نجيب محفوظ وغازي القصيبي، وأدونيس، ومحمود درويش، ومحمد الثبيتي، وغيرهم، وكل هذه الأصوات كانت مسموعة ومدوية في زمن واحد، ولم تستطع اللغة العامية أن تلغي الفصحى، وإنما عاشتا متجاورتين متحابتين وكل منهما أنتج ما أنتج من أدب رفيع ما زال حاضراً بيننا!.

العبرة - في رأيي - هي فيما تقدمه هذه اللغة أو تلك، وكيف تستطيع أن ترقى بالذوق العام وتترك أثراً فريداً للأجيال القادمة. ومهما تطاولت الدعوات على العامية فلن تقضي عليها، لأن لها روادها ومريديها، تماماً كالفصحى، وأرى أن السؤال الأهم في هذه القضية هو: كيف نحمي الفصحى من الفصحى، لا من العامية؟! إذ هناك من الفصيح ما يهبط بالذوق إلى أدنى درجاته، فتنحط به الأمة، في الوقت الذي ننادي فيه ببذل كل الجهود للارتقاء بها.

قال صلاح جاهين في إحدى رباعياته:

عجبتني كلمة من كلام الورق

النور شرق من بين حروفها وبرق

حبيت أشيلها ف قلبي.. قالت حرام

ده أنا كل قلب دخلت فيه اتحرق

عجبي!.

وقال الثبيتي في قصيدة الأسئلة:

أقبلوا كالعصافير يشتعلون غناءً

فحدقت في داخلي

كيف أقرأ هذي الوجوه

وفي لغتي حجر جاهلي.؟

بين نارين أفرغت كأسي..

ناشدت قلبي أن يستريح

هل يعود الصبا مشرعاً للغناء المعطّر

أو للبكاء الفصيح؟.