في دراسة أمنية نوعية شملت كافة فئات العمالة وجنسياتها وشملت كافة مناطق المملكة برزت أرقام مخيفة لنوع الجرائم وارتفاع نسبتها في بعض المناطق.. حيث أبرزت الدراسة نسبة الجرائم لكل جنسية تعمل في المملكة كما أبرزت نسبتها ونوعها حسب المناطق.. واتضح من الدراسة تَرَكُّز ارتفاع جرائم العمل على أربع جنسيات بلغت نسبتها 60,4% وشكلت ثلثي العينة. وجاءت منطقة مكة المكرمة على رأس قائمة المناطق التي تقع فيها جرائم العمالة، حيث ارتكاب العمالة الوافدة للجرائم فيها بنسبة 47,4% تليها منطقة الرياض 28% ثم جازان 13,3% وفي المرتبة الرابعة منطقة المدينة المنورة حيث بلغت نسبة الحوادث الجنائية فيها 3,2% وفي المرتبة الخامسة المنطقة الشرقية بنسبة 3% فمنطقة تبوك بنسبة 1,9% وتوالت بعد ذلك بقية المناطق بنسب تقل عن 1%. وفسرت الدراسة ارتفاع نسبة جرائم العمالة في المناطق المقدسة مكة المكرمة والمدينة المنورة بوجود متخلفين من الحج والعمرة وكثرة النشاط التجاري فيها.. أما منطقة الرياض فكان تفسير الدراسة بسبب اتساع رقعتها الجغرافية وامتدادها الأفقي غير المقنن إضافة لكونها العاصمة التي تكثر فيها الأعمال التجارية والمشروعات الحكومية والمصالح الحكومية وعوامل الجذب الأخرى.
وكما اتضح من الدراسة فقد كانت 91,9% من جرائم العمالة تقع في أربع مناطق فقط هي مكة المكرمة والرياض وجازان والمدينة المنورة كما أن المملكة في مقدمة الدول التي تفتح أبوابها للعمالة الوافدة.. وتركيز المملكة على تقديم خدمات ذات مستوى عال للحجاج والمعتمرين والزائرين التي تتطلب بالتالي إقامة مشروعات كبيرة تطلب ذلك وجود أعداد كبيرة من العمالة في المملكة.
والحقيقة أن تبني مثل هذه الدراسات النوعية يعد خطوة هامة تكشف بشكل علمي وشفاف واقع العمالة في بلادنا ونوعية الجرائم وأماكنها.. والدراسة تعد بما خرجت به من نتائج بحق إنجازا كبيرا للقائمين عليها وداعميها إلا أن النتائج التي خرجت بها تتطلب جهوداً كبيرة ليس فقط من الجهة التي طلبت الدراسة ولكن من كل فئات المجتمع، لعدة أمور:
أولاً للتعريف بالدراسة بهدف توعية المجتمع بنوع الجريمة وأسبابها.. والأمر الآخر للعمل في تفاديها ... وثالثاً للمشاركة في حلها.. إن توعية المجتمع بنوع جرائم العمالة أمر مهم فقد تكشف للمجتمع أسبابها ليتمكن من معرفة بوادرها ليكون حذراً منها.
وأمر آخر.. لا بد أن يعرف كل فرد في المجتمع أن مسؤوليته لا تقف عند التخلص من عامل أو موظف سيئ السلوك بعمل تأشيرة خروج بدون عودة، وإنما يكشف للمسؤولين عن سلوكه وممارساته حتى لا يخرج من بلادنا من باب ويدخل علينا من باب آخر، ليقع ضحيته مواطنون آخرون.. لا بد من أخذ بصمته ووضعه على القائمة السوداء.. وإذا لم يبلغ كفيله السابق عن تلك الممارسات التي من أجلها تخلص منه كيف يمكننا أن نعرف سلوكه إلا بعد أن يقع مواطنون آخرون فريسة لجريمة قد يرتكبها بحقهم.
نتائج الدراسة "مفزعة" بكل ما تحمله الكلمة من معان ولا بد أن يشترك المجتمع.. كل المجتمع في التصدي لما أبرزته تلك النتائج من جرائم ترتكبها عماله تعيش بيننا وتعرف أدق تفاصيل حياتنا. الجهات المختصة لن تكون كافية للتصدي لما أبرزته النتائج من سلبيات للعمالة الوافدة إلى بلادنا.. ولهذا فإنني أقترح إجراء دراسة أخرى تكشف لنا بشكل علمي:
- كيف يمكن أن يشارك المجتمع بكل فئاته للتقليل من جرائم العمالة؟
- كيف يمكن أن تتم توعية المجتمع بنوع جرائم العمالة وكيفية وقوعها؟
- كيف يمكن أن يشارك المجتمع بكل فئاته للتقليل من هذه الجرائم؟
- كيف يمكن التعرف على السلوكيات العدوانية لمن يعملون لدى أفراد المجتمع وعدم صلاحيتهم للبقاء في الوطن؟
أظن أن هذه أسئلة مهمة لا بد أن يعرف أفراد المجتمع الإجابة عليها لضمان مساهمات فاعلة من قبلهم للتقليل من النتائج المفزعة لوجود العمالة في بلادنا.
إن عمل مثل هذه الدراسة التتبعية أمر مهم على مستوى الوقاية. الجهات المختصة أثبتت نجاحات منقطعة النظير على مستوى العلاج.. أي على التعرف على الجريمة ومرتكبيها لكننا في ظني نحتاج إلى جهود أكثر على مستوى الوقاية.. ما لم يشارك المجتمع بحكم أنه المعني بالدرجة الأولى عن هذه القضية ستكون هناك ثغرات كبيرة تسهل وقوع الجرائم.. وبعد إجراء هذه الدراسة قد يكون من المناسب إجراء دراسة تتبعية Longitudinal Study لمعرفة نتائج الحلول التي اقترحتها الدراسة الأولى وأين يمكننا التغير والتعديل والتبديل في مجريات الحلول وهل حققت الحلول نتائج ذات قيمة؟
الدراسة التي بين أيدينا دراسة ذات قيمة كبيرة لمنطلقات عديدة يمكن أن تحقق انخفاضا كبيرا في نسبة جرائم العمالة وأماكن تمركزها.. والتعويل على جهة واحدة لا يكفي لتحقيق هذا الهدف.
لا يكفي التعامل على مستوى العلاج بل لا بد أن نستفيد من نتائج هذه الدراسة القيمة على مستوى الوقاية.
لا بد أن تصل نتائج هذه الدراسة بشكل واضح للمجتمع ولا بد من مشاركته في الحلول. نعرف أن هناك توجها حديثا وخطوة هامة تعالج كم ونوع العمالة في بلادنا بتأسيس شركات بنظام محدد يحد من الاستقدام العشوائي. هذه خطوة مهمة لكنها لن تكون كافية بالنظر إلى أن القادمين لدينا ومرتكبي الجرائم ليسوا فقط من العمالة المستقدمة. بل من المتخلفين من الحج والعمرة ومن المتسللين.