يقول علماء الاجتماع: "إن أي إنسان يستطيع أن يدعي أنه هو المصلح الحقيقي وأن خصومه هم المهيجون المشعوذون"، ولكن الفرق بين المصلح والمشعوذ يتمثل – كما يقول العلماء – في أن أحدهما يحاول إصلاح قومه، بينما الآخر يبحث عن قوم غير قومه ويتظاهر بأنه يريد إصلاحهم وهدايتهم، وبمعنى آخر أن المصلح ينظر في عيوب قومه قبل أن ينظر في عيوب الآخرين، والمشعوذ يغض الطرف عن هذه العيوب، ويبحث عن عيوب قوم آخرين ليشنّع بهم ويفضحهم.

وخير مثل نأتي به في هذا الصدد هو ما تقوم به بعض القنوات الفضائية من إثارة النعرات الطائفية بين الناس، من خلال الاستهزاء واحتقار معتقدات الآخرين وذلك تحت ستار الدين والإصلاح، فكل فريق يتظاهر بحب الحق والحرص على إعلاء كلمة الله، فيوجه نقده نحو طائفة غير طائفته، فينهض آخر من الطائفة الأخرى فيواجه بالمثل، فتهيج بذلك الأحقاد والنعرات، ويتعصب كل فريق لعاداته وعقائده.

وبالطبع فإن هؤلاء المشعوذين يهدفون في المقام الأول إلى مصالحهم الشخصية ولا يأبهون بغير ذلك، لذلك وجدوا في انتقاد الآخرين الاحترام والشهرة ناهيك عن المميزات المادية والمالية التي يحصلون عليها جراء ذلك، بينما هم يعلمون جيداً أنهم لو انتقدوا طائفتهم لواجهوا البلاء والشدة في سبيل ذلك، وهو ما يواجه المصلح الحقيقي.

ومن النماذج والأمثلة الأخرى التي يمكن الاستدلال بها في هذا الموضوع والتي تكاد تكون أخطرها، هو ما قامت به كنيسة "دوف وورلد أوتريتش سنتر" البروتستانية الأصولية في غينسفيل فلوريدا، لإحراق نسخ من القرآن الكريم، برئاسة القس تيري جونز الذي يزعم أن الهدف من هذا الإجراء هو تمجيد ذكرى ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر، بينما في الحقيقة هو تمجيد ذات المشعوذ (تيري جونز) نفسه، للحصول على الدعاية والشهرة له فقط، لذلك وجد من النيل من عقائد الآخرين وسيلة سهلة لتحقيق مآربه وأهدافه.

وما ينطبق على الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية ينطبق أيضاً على التيارات المختلفة في المجتمع الواحد، فلو نظرنا إلى أي مجتمع في العالم، لوجدنا فيه فئتين، تختلف فيهما الآراء والتوجهات، والمشكلة هنا ليست في اختلاف وجهات النظر بين الفريقين، فهذا مطلب ضروري لتوازن المجتمع، ولكن المشكلة تكمن في التنازع وإقصاء الآخر، فهنا يصبح الاختلاف شخصيا وليس مبدئيا.

ولنأخذ على سبيل المثال قضية (انتقاد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فالبعض اعتبر أن هذا الانتقاد نوع من الهجوم على الدين، ومحاولة تعطيل لشعيرة مهمة في الإسلام، مع أن جهاز الهيئة يعتبر جزءا من المفهوم الواسع لمعنى (الحسبة) في الإسلام، نأخذ على سبيل المثال كثيرا من الوزارات الحكومية التي تقوم بوظائف رئيسية للحسبة تعمل على ضمان وإيجاد رقابة ومساءلة عامة، منها: وزارة التجارة والصناعة ودورها في حماية المنافسة وحماية المستهلك ومكافحة الغش التجاري، وأيضاً وزارة الداخلية ودورها في المحافظة على الأمن والسلامة المرورية ومكافحة المخدرات، ومصلحة الجمارك ودورها في الرقابة على السلع والبضائع المستوردة، بالإضافة إلى الأجهزة الرقابية مثل ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق.

وهذه الجهات الحكومية تعرضت للنقد تماماً مثلما تعرضت الهيئة للنقد أيضاً، وقرارات خادم الحرمين الشريفين حفظه الله التي صدرت مؤخراً ما هي إلا دعم لهذه الجهات في سبيل عملية الإصلاح الشاملة لتحقيق هذه الجهات للأهداف التي أنشئت من أجلها، ومن ضمنها هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما تواجهه من صعوبات وتحديات تعرقل أعمالها وأنشطتها.

وبالطبع فإن النقد البنّاء يسلط الضوء على المشكلات التي تحتاج إلى حلول، لبحثها ودراستها، ولا يعني ذلك الانتقاص من الجهة الحكومية أو شن الحرب عليها كما يعتقد البعض، وعليه يتم تبادل وجهات النظر بين جميع فئات المجتمع لحل هذه المشاكل، وهذا هو الإصلاح الحقيقي، وللمعلومية فإن الهيئات استفادت كثيراً من الانتقادات التي وجهت إليها في تطوير أعمالها وحصولها على الدعم المطلوب.

وبالرغم من ذلك إلا أن البعض للأسف الشديد، يستغل هذه الاختلافات وهذه الانتقادات، عن طريق الابتزاز العاطفي للناس، فيشن هجوماً عن طريق السب والشتم للمنتقدين، وذلك لتحقيق أهداف شخصية كالشهرة والدعاية مثلاً، ولو كانوا صادقين في هجومهم هذا لانتقدوا الهيئة أيضاً، أو على أقل تقدير اعترفوا بالمشاكل والتحديات التي تواجه الهيئة في أعمالها، ولكنهم يعلمون أنهم لو فعلوا ذلك لخسروا شعبيتهم بين الناس أو لاقوا الأذى منهم.

ومن طرائقهم في هذا الاستغلال والابتزاز العاطفي للناس، أنهم يقومون بسرد الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، التي تحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ثم يتطرقون إلى أهمية ذلك، والآثار السلبية المترتبة على ترك هذه الشعيرة المهمة، ثم يتحدثون عن الوضع المثالي غير الواقعي للعاملين في الهيئات، ويستخدمون ذلك في أقيستهم الفلسفية كمقدمات للوصول إلى نتائج تبدو وكأنها عقلانية ومنطقية بقولهم: "فإذا بعدد من الكتّاب الضُلّال، الذين ما وقفوا مع الأمة في أزماتها... يقعون في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.. ويتكلمون في عقولهم وفي أعراضهم، ويبدؤون يستهزؤون من خلال كتابات ومن خلال رسومات.. وأبعد الناس والله عن نفع البلدان هم هؤلاء الكتّاب ممن يسمون أنفسهم بالمثقفين..".

وبالطبع فإن مثل هذا الحديث يطرب إليه البعض ويعدون قائله بطلاً يندر وجوده في هذا الزمان، وعليه سوف ينصرونه ويرفعون من مكانته، وهذا ما يصبو إليه المشعوذون في قرارة أنفسهم.

ولو أمعنّا النظر قليلاً في مثل هذه الآحاديث وهذه الأقاويل، لوجدنا أنها تؤجج البغضاء والعداوة بين الناس، وتعطل الأهداف التنموية والعمليات الإصلاحية للدولة، وبدلاً من التركيز على الأفكار وبحثها ودراستها، سوف نركز على الأشخاص وبالتالي كيفية إقصائهم والنيل منهم، فتضيع الحقيقة والفائدة من جرّاء ذلك في زحمة العواطف الهائجة.