ظل محمد عبده، وما زال، واحداً من أكثر المشتغلين بالعمل الفني في العالم العربي رصانة وثقلاً وركادة واحتراماً للذائقة الاجتماعية والنواميس العامة. احترم الفنان الكبير نفسه وموقعه كشخصية عامة مثلما احترم أن يبقى (الفن) رسالة نبيلة، وعاش حياته بعيداً جداً عن الإثارة والابتذال. ولك أن تعلم أنه يتحرك أقل من ثلاثين خطوة في كل حفلة تستغرق منه الساعات الثلاث، وقد يخرج منها كاملة دون ابتسامة طربية. وللأسف الشديد، أنه، ربما، ظل وحده بين العشرات من ذات المدرسة التي أساءت للفنون وخدشت حياء الرأي العام ونسيت أن تكون المثال والقدوة لأجيال من المعجبين، وهذه الأجيال، وأسفي تتربى على الصرعة والموضة وبعض (مخازي) الفيديو كليب التي تجعل العرق متصبباً من آباء يشاهدون أولادهم على مناظر أجساد مراهقات مستأجرة.

وفي مجاله الفني، حمل محمد عبده رسالة السعودي المنضبط، وفوق هذا صورة السعودي كفنان مرهف تربع على رأس القائمة العربية بامتياز، وضد الصورة النمطية التي تسوقها كتل الضد وفيها رَسْم البدوي الجاف ووصمة الغني المتسول على فنون الغير وثقافته.

هو ضلع ثابت للسفارة السعودية في عيون كل الدنيا، وبالذات في ثقافة الضاد التي توازي ضلع خولة الكريع كامرأة علم ومختبر والقصيبي في الأدب وخالد الفيصل في الفكر والشعر والغذامي في قيادة النظرية أو عبده خال في حداثة الرواية. كل هؤلاء ساهموا في قيادة صورة سعودية رائدة متفوقة وهم يتحولون إلى نجوم في مجالاتهم تتصدر منتديات العرب وصوالينهم مثلما هم رأس الحفل أينما حلوا أو حاضروا في العواصم العربية.

هؤلاء ينقلون بكل امتياز خلاصة التنمية السعودية التي اهتمت بالإنسان وأبرزت مواهبه. ولي أن أقول بكل ثقة إن هؤلاء هم شواهد (الزمن السعودي) الذي سيطر وما زال على البنية الثقافية العربية. والصورة الموجبة لا تمرض ولا تنام على (السرير الأبيض)، حتى وإن كان صاحب الصورة وسفيرها ينام على السرير الأبيض.

شكراً لكل من ساهم في صنع ضلع مؤدب من صورتنا الشاملة، مع الدعاء له أن يعود سالماً وأن ينهض.