أخيرا وبعد انقسام استمر لأربع سنوات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بدت تلوح بشائر عودة اللحمة بين السلطة الفلسطينية في رام الله، وحركة حماس في قطاع غزة. فوفقا لصحيفة "المدينة "يتوقع أن يتم التوقيع على اتفاق المصالحة، هذا اليوم أو في الغد، بحضور رئيس المكتب السياسى لحركة حماس السيد خالد مشعل، والرئيس الفلسطينى محمود عباس (أبومازن). ومن المتوقع أيضا حضور كل قيادات الفصائل الفلسطينية للمشاركة فى مراسم التوقيع.

كانت محاولات تحقيق المصالحة بين الطرفين، قد تواصلت طيلة السنوات الأربع المنصرمة، وشهدت الرياض والدوحة والقاهرة، برعاية سعودية ومصرية وقطرية، لقاءات فلسطينية متكررة من أجل الوصول إلى تسوية بين حركتي فتح وحماس، لكنها جميعا لم يحالفها النجاح.

هذا الحديث ليس معنيا بأسباب الصراع الذي أدى إلى انفصال غزة عن السلطة في رام الله، ولا بمناقشة الظروف التي أدت إلى فشل المحاولات السابقة لتحقيق المصالحة، إلا بعلاقة ذلك بالتطورات الأخيرة. إنه يركز بالدرجة الأولى على العوامل التي أدت إلى قبول الطرفين، بالعودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى صيغة أولية لتحقيق المصالحة، وتوحيد السلطة في الضفة والقطاع. ومعني أيضا، بتداعيات هذه المصالحة على المفاوضات المتعثرة بين الفلسطينيين والكيان الغاصب، للتوصل إلى تسوية تضمن الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي احتلت في حرب يونيو عام 1967. وأيضا، تأثيرات ذلك على المواقف الإقليمية والدولية، وبالتالي على مجرى الصراع العربي – الإسرائيلي.

ابتداءً نذكر أن فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، هو رغبة إسرائيلية قديمة، جرى الإفصاح عنها بوضوح، أثناء انتفاضة أطفال الحجارة في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، إسحق رابين. وقد عرف عنه تمنيه بألا يستيقظ من النوم إلا وقطاع غزة أصبح غارقا في البحر.

كانت استراتيجية الكيان الغاصب الهادفة للتسلل إلى الوطن العربي قد تركزت على الضفة الغربية، وحيدت قطاع غزة، الذي عملت على إعادته مرة أخرى، للإدارة المصرية. وفي هذا السياق، يسجل للحكومات المصرية المتعاقبة، خلال عهدي الرئيسين السادات ومبارك، رفضهما الحاسم للسياسة الإسرائيلية، فيما يتعلق بإعادة السيطرة المصرية على القطاع. ويسجل للرئيس الراحل، ياسر عرفات رفضه مبادرة "إسرائيل" أثناء انتفاضة أطفال الحجارة تسلم قطاع غزة وإدارته من قبل منظمة التحرير الفلسطينية. لقد أصرعرفات أثناء مفاوضات أوسلو عام 1993 على أن تلحق مدينة أريحا، من الضفة الغربية، بالاتفاق الأولي، وأن لا يقتصر على قطاع غزة وحده.

اعتبر الإسرائيليون انفصال قطاع غزة، عن الضفة الغربية، مكسبا مهما، وخطوة مفصلية على طريق المضي بمشروعهم الشرق أوسطي، والتسلل إلى المشرق العربي. وكانوا قد ضمنوا علاقة جيدة مع مصر، استمرت أكثر من ثلاثة عقود. وخلال سيطرة حماس على القطاع، عمل الإسرائيليون على تكريس حالة الانقسام، بل وسعوا مجددا خلال حرب نهاية عام 2008 إلى بعث سيناريو إلحاق القطاع بالإدارة المصرية، لكنهم فشلوا في تحقيق ذلك.

هكذا بقي أمر انفصال قطاع غزة عن الضفة معلقا، دون حل. ولم تتمكن الوساطات العربية المختلفة من رأب الصدع، وإعادة القطاع للسلطة الفلسطينية. لماذا إذن نجحت الوساطة المصرية، في أسابيع قليلة في تحقيق المهمة التي فشلت كل الوساطات في إنجازها طيلة السنوات الأربع الماضية؟. الجواب عن السؤال، تحمله أسباب الفشل ذاته. بمعنى إمكانية طرح السؤال معكوسا: ما هي العوامل التي أعاقت التوصل إلى حل للمشكلة المستعصية بين فتح وحماس؟.

الواقع أن هناك أمورا عدة حالت دون نجاح الوساطات العربية، لعل أهمها تصور إدارة الرئيس الفلسطيني، أبو مازن، أن خلافه مع حماس ربما يعجل بموافقة الإسرائيليين على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، حتى وإن اقتصر ذلك مرحليا على الضفة الغربية. في هذا الاتجاه، دخلت السلطة الفلسطينية في مفاوضات ماراثونية مضنية وطويلة مع الكيان الغاصب على أمل التوصل إلى تحديد موعد للحل النهائي، يشمل قضية اللاجئين الفلسطينيين وعروبة القدس، والإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وقد استمثر الكيان الصهيوني حالة الصراع للتوسع في بناء المستوطنات الإسرائيلية بالضفة والقطاع، والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية.

ومن جهة أخرى، كانت حركة حماس لا تزال تطرح، في بداية صراعها مع السلطة، شعاراتها الجذرية في تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. وقد جعلها ذلك شريكا غير مقبول، ليس فقط من قبل الصهاينة والإدارة الأميركية، ولكن أيضا من قبل النظام العربي الرسمي، الذي تبنى المبادرة العربية للسلام في الشرق الأوسط، وخارطة الطريق التي طرحتها إدارة الرئيس بوش.

كما أن العلاقة بين حركة حماس ومصر بقيت هي الأخرى متوترة طيلة فترة حكم الرئيس مبارك. وقد اتضح ذلك بشكل جلي في موقف القيادة المصرية أثناء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وبلغت قمة ذلك التوتر للعلاقة المصرية مع حماس، في إغلاق معبر رفح من جهة مصر..

ما يهمنا في التعرض للسياسة المصرية السابقة تجاه حركة حماس، ليس جانبها القيمي، بل الجانب العملياتي. فقد ساد شعور لدى حركة حماس، أثناء الوساطات العربية، بينها وبين السلطة، وبشكل خاص الوساطة المصرية، أن الوسطاء هم أقرب في رؤيتهم إلى السلطة. وأن المطلوب هو إلحاق حماس بالعملية السلمية، وليس تحقيق المصالحة بينها وبين السلطة. وكانت السلطة من جانب آخر، تخشى من أي عمل انتقامي من قبل الإسرائيليين والإدارة الأميركية، إن هي اتجهت جديا نحو المصالحة مع حماس، وعودة القطاع إلى الضفة الغربية.

ما الذي تغير من أحداث في الساحة الفلسطينية والوطن العربي، بما يدفع مختلف الأطراف إلى الاتفاق الآن، ويجعل السلطة الفلسطينية على استعداد لاغضاب الإسرائيليين والأميركيين معا، وقبول تهديداتهم بحقها، والتي تجاوزت التهديد، لتتحول إلى أمر واقع؟؟.. ذلك ما نعد بمناقشتة في الحديث القادم بإذن الله تعالى.