تعمد لغة الشعر إلى مفارقة النسق المألوف أو المتوقع لدى المتلقي الذي يقترب من قراءة النص الشعري وهو مزود بمزيج من الأفكار الفنية وغير الفنية، وهو يبدأ قراءته من حيث توجد تلك التوقعات المنبثقة من خبراته الحية وخبراته الفنية، التي يثيرها لديه اسم الشاعر، وعنوان الكتاب، وأحياناً غلاف الكتاب وطبعته، كما يقول يوري لوتمان في "تحليل النص الشعري".

ولكن لا تعني تلك المفارقة أن تجيء اللغة الشعرية في مجملها مخالفة لكل ما يتوقعه المتلقي؛ إذ يفقد الشعر حينئذ وظيفته الاتصالية، ويصبح النص كائناً غريباً، إن لم يحكم عليه بالرداءة، كما نجد ذلك في كثير من الدواوين الشعرية التي تتراوح مضامينها بين الغموض التام، والانغلاق على الذات من خلال تجارب شديدة الخصوصية ولا تمثل إلاّ أصحابها.

فالشعر الجيد – كما يقول لوتمان - هو ذلك الشعر الذي يتواكب فيه المتوقع واللامتوقع في وقت واحد، أما فقدان الأصل الأول (المتوقع) فإنه يجعل النص عديم المعنى، على حين أن فقدان الأصل الثاني (اللامتوقع) يجعله عديم القيمة، وهذا اللامتوقع هو ما يشكل مظهراً من مظاهر الانحراف في النص، ذلك الانحراف الذي يُتوسل به لإثارة المتلقي وشد انتباهه، والذي يمثل جوهر اللغة الإبداعية.

فالانحراف هو أساس الأسلوب الأدبي أو جوهره، حسب مقولة فاليري "إن الأسلوب هو في جوهره انحراف عن قاعدة ما".

وتفصح مباحث البلاغة العربية كلها عن تحقق هذا الانحراف؛ إذ الخروج على مقتضى الإلف والعادة يتأتى عبر المجاز والتقديم والتأخير والالتفات والخروج على مقتضى الظاهر والجناس والتورية، وغير ذلك مما يتعلق بمباحث البيان والمعاني والبديع.

ديوان أحمد التيهاني "لابة غسان" من ذلك النوع الذي يمثل فيه الانحراف اللغوي أساس الأسلوب وجوهره، هذا فضلاً عما يتمتع به من إسقاطات عديدة على الواقع، تلك الإسقاطات التي تجعل المتلقي مشاركاً أساسياً في إنتاج الدلالة، فأصبح هذا الديوان خطوة متقدمة وفسيحة في تجربة التيهاني الشعرية، جديرة بالوقوف عليها، خاصة من النقاد الباحثين عن الظواهر الجديدة والجماليات الفريدة في الشعر العربي، إذ يمثل هذا الديوان حقلاً خصباً للرؤى النقدية الجادة التي آمل أن تشمله بعناية خاصة يستحقها بجدارة.

ولعلني في الفضفضة القادمة أحاول الكشف عن بعض جماليات هذا الديوان، والوقوف على بعض الأساليب التي انتهجها التيهاني فارتقت بشعريته، وجعلت "لابة غسان" ديواناً جديراً لا بقراءة المتلقي فحسب، بل بقراءة الناقد أيضاً.