يقدم العمل الاجتماعي ذاته في صور خلابة تعبر عن أهمية وضرورة التعاون والمشاركة الجماعية المنظمة، ذات الرؤية الإنسانية الواضحة. وتعد التنمية الاجتماعية وسيلة من وسائل التضافر الإيجابي المنتج، معتمدة الترتيب والتنظيم والتخطيط وتوزيع المهام والالتزام وتحمل المسؤولية أسساً جوهرية لتحركها باتجاه التنفيذ، مما يجعل منها وسيلةً واعية ومدركة لكل خطواتها ومشاريعها، لتعمل وفق آلية إيجابية ممنهجة تفهم شكل ومضمون الدور المطلوب منها تأديته، وصولاً إلى النتيجة التي يُفترض الانتهاء إليها. فالتنمية الاجتماعية تحرك فعلي، هدفه الأساسي المساهمة بفعالية في بناء مجتمعات متمدنة ومتحضرة تواكب متغيرات التطور على كل المستويات، وتعمل على رفع معدل المردود الإيجابي لأعمالها في المجتمع وفي فترة وجيزة أيضاً، وزيادة وعي الفرد في كافة شرائح المجتمع، خاصة فيما يُعنى بأدبيات العمل الجماعي ونظمه، والتأكيد على أن نتائجه ذات طيف إيجابي واسع، لتعبر كل تلك الشرائح مجتمعة فيما بعد عن نفسها بطريقة إبداعية ترسم ملامح وهوية المجتمع بأكمله.

وبقرار من مجلس الوزراء في عام 1386هـ ، تم على ضوئه تأسيس ما يُعرف بـ (لجان التنمية الاجتماعية) في المناطق الريفية تحديداً. هدفت الدولة من خلالها إلى المساعدة على بناء جسور تواصل مع المواطن من خلال قيام تلك اللجان بسد بعض الاحتياجات الضرورية للمجتمع، وقد خصصت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الإعانات المالية اللازمة لكل لجنة حسب البرامج المقدمة إليها من قبل تلك اللجان، لتمكينها من تنفيذ برامجها التنموية داخل مناطقها المحددة لها. وتقوم تلك اللجان على أساس مفهوم تحرك جماعي صرف، يتشارك فيما بينه أنشطة متنوعة يتم تنفيذها بمختلف النواحي الاجتماعية التوعوية والثقافية والصحية والزراعية، بما يتناسب مع ضرورة وحجم وحاجة الجهة التي تنتمي إليها، بحيث يتوجب على تلك اللجان توفير صالات رياضية جيدة، ومركز للحاسب الآلي لتعليم أسس استخدام الحاسبات الآلية، وروضة أطفال، ودار الفتاة، ومكتبة ثقافية جيدة التكوين، وبرنامج للدراسات الاجتماعية يعمل على تعريف النواقص التي تحتاجها المنطقة، كما تعمل على حصر العادات، الضارة منها على وجه الخصوص للبدء في طرح الطرق المناسبة للتغلب عليها، كما يفترض أن توفر تلك اللجان قاعدة بيانات اجتماعية لتكون مرجعاً معتمداً للباحث الاجتماعي لتسهيل الحصول على المعلومة من جهة موثوقة.

وتتفرع من لجان التنمية الاجتماعية ما يُعرف بمراكز النشاط الاجتماعي، التي بدورها تتلقى دعمها المالي من إدارة اللجنة التي تتبع لها، وقد ينضوي تحت إدارة اللجنة الواحدة من (4 إلى 6) مراكز للنشاط الاجتماعي في المحافظة الواحدة، تقوم بالعديد من الأنشطة الاجتماعية المتنوعة فيما يخدم المنطقة التي يغطيها نشاط المركز. ولا تكاد تذهب إلى محافظة في المملكة إلا وتقابلك لوحة على أحد المباني مكتوب عليها (لجنة التنمية الاجتماعية، أو مركز النشاط الاجتماعي بمحافظة..). إلا أنه على كثرة عدد هذه اللجان الاجتماعية ومراكز النشاط التابعة لها، فإنها تكاد تكون مجرد مبانٍ خالية من مرتاديها، وغير معروفة النشاط عند الكثيرين من أفراد المجتمع، بل ومفرغة من الأنشطة المبرمجة لاحتياجات مناطقها، وتعيش حالة من النعاس الدائم يصل إلى حدود الغيبوبة على مدار العام، باستثناء قيامها ببعض الأنشطة الموسمية السريعة التي تقتصر فوائدها على شريحة معينة من المجتمع فقط، وذلك قد يعود إلى محدودية الإعانات المالية، أو عدم احترافية الكوادر الإدارية، وتهميش، بقصد أو بغير قصد، تفعيل الجانب الدعائي بدور هذه اللجان في أوساط المجتمعات التي تقبع بينها، فمثل هذه الأمور قد تحجب الكثير من أنشطتها المفيدة. وقد ظلت لجان التنمية الاجتماعية مغيبة الماهية والدور ولأعوام طويلة عما نسبته (60%) من عموم الطبقة الاجتماعية المستهدفة تقريباً، وهذا على الأقل ما ينطبق على وضع اللجان الاجتماعية بمنطقة جازان التي تضم (18) لجنة تنمية تم رفع عددها أخيراً إلى (25) لجنة تنمية اجتماعية موزعة على كافة أنحاء المنطقة حسب علمي، والتي بقيت أنشطتها محصورة على رياض الأطفال، ودور الفتاة، وإقامة بعض الدورات غير المنتظمة في بعض المجالات. كما اقتصرت أنشطة المراكز التابعة لتلك اللجان التي لا تعتمد في الغالب على خطة واضحة أو برنامج منظم للقيام بمهامها على تنفيذ بعض البرامج الاحتفالية الموسمية، كالاحتفال باليوم الوطني أوالعيد، أو القيام بنشاط صحي، أو الإشراف على تنظيم دورة رياضية خلال عام كامل لتبرير حضورها وكتابة محاضرها، ولتظل مبانيها خاوية على عروشها طيلة أيام العام. وهنا تكون الفوائد الحقيقية الناتجة والمرجوة من هذه اللجان شحيحة جداً، ومحدودة جداً، ولا تُعبر عن الطموحات التي من أجلها أُنشأت في الأصل. ولنا أن نتخيل تأثير (25) لجنة تنمية اجتماعية يتبع لكل لجنة منها على الأقل (4) مراكز اجتماعية فسيكون الناتج (100) مركز للنشاط الاجتماعي. هذا العدد الكبير للجان التنمية ومراكزها الذي يقابله عائد فقير جداً لا يتوازى مع حجم مسؤولياتها واهتماماتها ودورها في التوعية والتنمية، ولا يتماهى مع أهدافها النبيلة المعلنة والكبيرة، يقول الكثير عن واقع حال تلك اللجان، والمعوقات والسلبيات التي يجب وضعها على الطاولة لا تحتها لمناقشتها بجدية أكثر عمقاً وأكثر شفافية، من حيث حجم الإعانات المالية المخصصة لها من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وجدواها في الإيفاء ببرامج تلك اللجان، والكفاءات الإدارية العاملة بها، وحجم ونوعية البرامج الموكلة إليها، ومراجعة آلية انتخابات إداراتها وضوابطها، والعديد من الذي يمكن تناوله ومناقشته للخروج برؤية واضحة من شأنها أن تعيد صياغة قوانين وضوابط عمل تلك اللجان لتقوم بدورها بطريقة أكثر كفاءة ونجاعة، حتى لا تكون لجان التنمية الاجتماعية الربع المعطل في مسيرة عجلة التنمية الشاملة.