أن نصبح أسرى الشاشات والأخبار حيثما اتجهنا منذ استيقاظنا لغاية وقت نومنا، ونرى يوميا مشاهد القتل أو الحرب بتصوير الفضائيات أو المواطنين.. فذلك عبث بمشاعر الإنسانية.

وأن تتمكن الفضائيات والصحف من تصوير ومتابعة الأحداث في دول وتمنع في أخرى فيقوم الأهالي بوسائلهم البسيطة بالدور الإعلامي، فذلك عبث بحرية الإعلام.

وأن تصر أنظمة على أن إعلامها الرسمي هو الوحيد الصادق وما عداه مغرض ومتآمر فذلك، عبث بعقول المشاهدين. وأن تحاصر تلك الأنظمة شعوبها داخل مدنهم بالدبابات وتختلق الروايات لممارسة القمع والقتل والاعتقال فذلك عبث بشرعية الأنظمة التي ما زالت تقنع نفسها بأن العالم لم يتغير وأن زمن السلوكيات الدكتاتورية لم ينتهِ وأنها قادرة على الاستمرار في الحكم برغم أنهار الدم التي تدفقت من الشعوب فذلك عبث بالديموقراطية التي يحلم بها مواطنوها.

وأن يبقى مواطنو تلك الدول ينتظرون الخلاص يأتيهم من المجهول فذلك عبث أيضا، وحالة انتظارهم لا تختلف في شيء عن "العبث" في مسرحية "في انتظار غودو" للإيرلندي صموئيل بيكيت (1906 ـ 1989) حيث تكون مسألة الانتظار هي الحكاية كلها في مسرح العبث، وهي موضوعه الرئيس.

بطلا المسرحية فلاديمير واسترجون يثرثران لكنهما لا ينطقان بشيء مفيد لأنّ الحياة الكارثية التي يعيشانها يصعب وصفها أو إيجاد حل لها. هما يمضيان الوقت فقط ويقتلان الصمت المخيف في مكان قاحل أجرد.. غير أن الانتظار يخيفهما أكثر، وهما يترقبان مع أهل بلدتهما التي يعمها الفقر والجهل والمرض قدومَ "غودو" المخلّص الذي ستنتهي بوصوله كل المشكلات. وتكثر التساؤلات عن "غودو" الذي قد يحول الحلم إلى حقيقة أو يجلب الأمل والفرح، وربما يكون نقيض ذلك فيحمل الموت والنهاية.. تطول المسرحية العبثية، والأخبار المتناقضة عن قرب موعد وصول "غودو" أو عدم وصوله يجلبها طفل فيحير الناس بها أكثر مما يريح بها أعماقهم.

وبعد، على الرغم من كل العبث الذي يحدث في بعض الدول العربية فإن "غودو" لم يصل لغاية الآن، والأمل ألا يكون انتظاره عبثا مثل مسرحية بيكيت.