ليس في الدين مكان لرجال الدين، ولكن العالم اليوم يحتشد برجال الدين كما لم يزدحم من قبل برموز لا نهاية لها من الملابس والطيالس والقلنسوات والعمائم والطرابيش بألوان شتى، فمن كانت عمامته بيضاء كان أقل درجة، ومن اسودت عمامته كان معناه أن كريات حمراء من الدم النبوي النقي تسري في عروقه (هكذا يزعمون؟)، والبابا السابق تقوس ظهره فلم يعد يستوي في مجلسه ولكنه حكم في الفاتيكان إلى قبل موته بساعة.

وفي روسيا تمشي المباخر جنبا إلى جنب مع رفاق الحزب الشيوعي أو مع المافيات الجدد ولو سالت دماء الشيشان جداول وأنهارا؟

ونحن عندما نستخدم أشياء رمزية من شعارات في زمن الخوف نلعب هذه اللعبة المزدوجة من الإظهار والإخفاء.

وفي الواقع فنحن كما يقول (روبرت غرين) في كتابه (كيف تمسك بالقوة): "نحن جميعاً نقول الأكاذيب. لأن التعبير الكامل والحر يشكل استحالة اجتماعية.

إننا نتعلم إخفاء أفكارنا منذ سن مبكرة. فنخبر الخطرين ما نعلم أنهم يودون سماعه، ولكنا على الجانب الآخر نرتدي قناعاً".

إن الحقيقة هي للقلة فقط.

وهو الأمر الذي فعله (ابن رشد) مع الخليفة الموحدي (أبو يعقوب) فبعد أن قدمه (ابن طفيل) للخليفة بدأ يتحدث بأمور عامة ولكن الخليفة صارحه بأفكار خطيرة جرأته أن يطرح أفكاره على نحو أوضح، قبل أن تحل الكارثة على رأس ابن رشد.

وكما يقول (بلثازار غراسيان) من القرن السابع عشر: "لا يتم التعرف على الرجل الحكيم مما يقوله في السوق لأنه هناك لا يتكلم بصوته بل بصوت الحمق الشائع بين الناس"؟

وحسب (فولتير) فإن مكيافيللي لو كان عنده أمير يتتلمذ على يديه لكانت أول نصيحة له أن يصدر كتابا ضد المكيافيللية.

ويقول السير (والتر رالي) ينبغي على العقلاء أن يكونوا خزانة بقعرين يكشف الغطاء السطحي للناس العاديين ما يتوقعون رؤيته، وأما للحكماء فهناك شيء آخر مخفي.

وفي سورية طوائف تعودت على إخفاء عقائدها عبر التاريخ خوف التنكيل، وهناك في جبل سنجار الممتد بين سورية والعراق من يعبد الشيطان فإذا سألتهم قالوا لك: لا.. ولكننا نرى العالم حافلا بالشر فنهرب من ذكره خوف شراره ومسه فنتخبط.

(الشعار) إذن هو أسلوب جحا القديم أن نقول كلاماً هو في الظاهر ضد أفكارنا، وهو في الواقع أسلوب خفي للتعبير عن أفكارنا.

ومن الضروري في وجه مؤسسات الرعب والإرهاب وسواها من أمثال محاكم التفتيش على مر العصور بأسماء شتى أن يقول المرء كلاماً لا يوقظ نائما ولا يزعج مستيقظاً.

وحسب عقيدة ديكارت (عاش سعيدا من بقي في الظل).

ولكن هذه نظرة تشاؤمية ولا يمكن للفكر الإنساني أن يتقدم بدون كسر هذه الشرنقة. وهذا هو الحاصل فهناك مغامرون رواد هم الذين يشقون طريق التقدم الإنساني وعلى نورهم يتقدم النوع الإنساني.