"مرةً أهديت أبا عبدالله منظاراً عادياً، حرك الفضول أولاده لاستخدام الجهاز، وقرأت في عيونهم حب الاستطلاع ولكن صديقي قال لأبنائه: لا تمسوا المنظار، إذا واحد منكم مد يده عليه فو الله سأقطعها.. بعد ذلك التهديد لم يقترب أحد منهم من المنظار، أمرٌ واحد نفذ الأب ما يريد وبشكل كامل!".
قصةٌ أوردها الكاتب الياباني نوبوأكي نوتوهارا في كتابه (العرب وجهة نظر يابانية) استشهاداً عن أزمة الثقة والقمع وسلسلة من الأسئلة الموجعة الجارحة عن الحياة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، ولعلي سأتطرق هنا إلى جانب تربوي فيها لأن بقية الأسئلة التي طرحها الكاتب؛ بيني وبين إجاباتها أزمة ثقة فعلاً!
في واقع مجتمعنا نجد بالفعل بعضاً من الممارسات اليومية التي تجزم أننا نعيش أزمة ثقة تربوية وقد تدعو إلى البحث في ذلك فبسؤال بسيط يتناول تفاصيل حياتنا؛ في صباحك ومسائك كم شخصا تقابله يومياً يحلف لك ويقسم بأيمانٍ مغلظة في الغداة والآصال على كل صغيرة وكبيرة؟!
لاحظ أي حديث عادي لك مع أي شخص كان، إن حدثته عن أي شيء سيبادرك بقوله: "بالله؟" وعليك القسم حتى يصدق، استمع إلى أي حوار أو مكالمة لتجد كَم تكررت كلمة "والله"؟!
إنه باختصار (يمين) تحول إلى لزمةٍ لفظية عربية (نرضعها) لأطفالنا حتى الكبر ليثبتوا لنا أنهم صادقون.. إنها أزمة ثقة يحدها الخوف والخروج من المأزق فقط حتى اختزلها اللاوعي اللفظي لتصبح عادةً منطوقة لدى مجتمعاتنا.
في قاعاتنا الدراسية كم معلماً أو عضواً لهيئة التدريس يثق في طلابه ويترك لهم قاعة الامتحانات مع أوراق الأسئلة فقط ثم يعود ليأخذ أوراق الإجابات عند نهاية الوقت؟ ولماذا؟
موقف هناك؛ كم من الآباء رأيناهم يرفضون تماماً أن يختار أبناؤهم ملابسهم أو مقتنياتهم ليس من أجل ماركةٍ أو جودة أو سعر!
المواقف السابقة نعايشها وأحد أسبابها أن كثيراً من الآباء يعاني ضعفاً لمفهوم الثقة نحو النفس والآخر ومن ثم غرسها وتعزيزها في أبنائه، فاليوم وفي كل العصور الإنسانية يبقى التأثر بكل جانب في التعايش في حياتنا بمقياس درجة ثقتنا ومنحنا تقديراً لأنفسنا ثم للآخرين، أولاً لأن الثقة رباطٌ قوي يشد المجتمع ويضبطه فهي مصدرٌ أساسي لتحديد السلوك وتوجيهه نحو الاستقرار في كل جانب من حياة البشر، ويبقى غرس الثقة بالنفس والآخرين من أهم مقومات التربية وأصعبها نحو الأطفال تحديداً لأنها لا تولد معهم ولكنهم يكتسبونها عبر التجارب والخبرات الإيجابية والناجحة؛ مبتدئين بتكوين صور ذاتية لأنفسهم في سن مبكرة من خلال علاقاتهم بالآخرين، ثم يأتي دور الوالدين والمعلمين وكل من له علاقة بالتربية بتعزيز هذا النجاح، لرسم الأساس المبين في زرع الثقة.
وعلى الرغم من أن الأمر ليس بالسهل في زمننا هذا ولكننا نستطيع بالدعم والتقدير بتعزيز ذلك عن طريق قبول أبنائنا كما هم وليس كما (نحن) عليه، المهم أن نتركهم يتصرفون على سجيتهم، ألا نحاول استنساخهم وجعلهم نسخة مصغرة منا، ماذا ينقص منا إن أظهرنا لهم تقديراً لجهودهم وتجاربهم كما هي عليه حتى لو لم تكن مُرضيةً لنا؟ ثقتهم ستزداد حتماً بأنفسهم إن نحن فعلنا وقمنا بتوجيههم فقط، تلك هي الركيزة الأولى لبناء الثقة بالنفس ومنها ستنطلق نحو الآخر لأن ذلك سيعلم أبناءنا أننا راضون وفخورون بهم وبالتالي سيشعرهم بالرضا نحو أنفسهم أولاً، أما قضاء الأوقات وتبادل الحوار والمواقف معهم فسيشعرهم أولاً بأن هذا الوقت ملك لهم ليعزز ثقتهم وبأهميتهم ولكن أيضاً هذا الوقت يستدعي خلع عباءة ورداء الأبوة وامتداد القمع الذي يعيشه الكثير ومفاهيم تقولبت بحجة الهيبة لدى بعض الآباء وأساطير قوة الشخصية أو كما سماه كاتبنا الياباني عصر (الميجي) في اليابان "الأب المخيف المهاب"، وذلك كله اليوم لن يجدي إن لم نجد أنفسنا أقرب لهم ونكون بذلك أظهرنا مدى تقديرنا واحترامنا لهم بصدق عندما نهتم بهم، ننصت لهم دون تقليل من شأنهم أو آرائهم أو مواقفهم، وذلك كله سيجعلنا نلمس صدقهم وثقتهم بأنفسهم وسيتعدى ذلك إلى كيف يثقون ويحترمون الآخرين، ليصبحوا أشخاصاً مميزين يحظون باحترام حقيقي لأنفسهم، وبذلك نحن نضع أساساً (لمجتمعٍ) يحترم نفسه وصادقا مع (الآخرين) دون الحاجة إلى أن يثبت لنا مصداقيته بـ"والله"، أو بـ"قُل أقسم بالله"!