قلة ذهبوا إلى أن "واضربوهن" تعني "أعرضوا عنهن"، لأن "ضرب" من معانيها"الامتناع عن الشيء"، ولكن: لماذا يستخدمها النص القرآني وقد دلّ على المعنى نفسه "واهجروهن"؟ إذا هناك مقصد آخر، ولنفهم بدقة، فلا بد من أن نورد الآية كاملة. يقول تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا". ولفهم العقوبة "الضرب" علينا أن نعرف على ماذا تكون؟ وهو "نُشُوزَهُنَّ" فما النشوز؟! هو من "نشز" أي ارتفع وظهر، والناشز: المرتفع والعالي من الأرض، والنشز: الجبل، كما في لسان العرب، إذن النشوز: الارتفاع والعلو، وقد ذهب كثيرون إلى أن المقصود هنا هو معصيتها لزوجها، لكنهم اختلفوا في كيفية الطاعة والمعصية! فكيف تحدد عقوبة على ما ليس معروفا تحديده ؟! ولكن لو أخذنا النشوز على أنه كبرياؤها وعلوها على زوجها، وهو أمر منهي عنه، لأن العلو والتكبر حق لله تعالى، فمن الإنسان ليتصف بذلك، ولتأكيد هذا ختمت الآية"إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"، وذلك لتذكير هذه المرأة الناشز بتجاوزها لما ليس حق لها، كما أن شعورها بالكبرياء والعلو أمر يؤدي إلى تعاملها مع زوجها بجفاء وعصيان، خاصة أن هذا الزوج من القوّامين "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ"والقوّام/فعّال، من المبالغة في الفعل، وهو القيام على أمورها بخدمتها "قوّام / خدّام" لأهل بيته، وفعله يستحق منها الود والطاعة لا الجفاء والتكبر عليه. وهنا نسأل: كيف تؤدب المتغطرس المتكبر في ظل رغبتك على إبقاء علاقتك به؟ يكون بوعظه وتجاهله مع إمساكك له باستمرار التفضل عليه حتى يدرك خطأه، ولهذا أوصى الله هذا الرجل القوّام بـ"فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ"، و "واو العطف" ذهب أكثرهم أنها لترتيب،" مذهب الكوفيين"، ووفق التفسير المتداول بذلك يأتي الضرب البدني كمرحلة أخيرة لتأديب نشوزها ولا أرى ذلك، فمن معاني واو العطف أيضا أنها تأتي لمطلق الجمع، "مذهب البصريين"، ولو أخذنا به فستعني الأمور الثلاثة معا، ولكن ما هي؟ إنه يعظها ويهجر مضجعها، ويضربها في بيته، أي يُقيمها في بيته ويمسكها، فمن معاني ضرب "أقام"، فتقول:"رجل ضرب خيمته: أقامها"، ولماذا معنى الإمساك بإقامتها ببيتها!؟ لأنه قد يفهم بشكل خاطئ أن "واهجرهن في المضاجع" أي ترك بيته أو طردها منه، فتأتي "واضربوهن" لتزيل الفهم الخاطئ، بـ"أقيموهن وأمسكوهن في بيوتهن مع استمرار القوامة بمعروف على أمورهن". وهنا نعود للآية في سورة البقرة "فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ"، ما يعني أنه لا تناقض بين الآيتين، وقد يُسأل هنا: لماذا لم يستخدم النص القرآني "وأمسكوهن" بدلا من"اضربوهن"؟ والسبب هو الإعجاز القرآني في الإيجاز، فلم يرد معنى الإمساك فقط، بل استمرار القوامة والإقامة عليها، لأن "ضرّب" تأتي بذلك.

أخيرا؛ المسألة تحتاج للمزيد من التفصيل ولا يقتضي المقال ذلك، لكن ليس أدل على تأكيد المعنى من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يضرب أي زوجة من زوجاته، وحين يغضب يعرض عنهن وُيضربهن في بيته، أي يمسكهن ويستمر في خدمتهن بقوامته عليهن. هذا هو فعل من وصفته السيدة عائشة أم المؤمنين بأن خلقه " كان القرآن" أليس كذلك؟